اللاجئة فاطمة تركمان توصي: ادفنوني في قريتي "الغبية التحتا"

جنين - "القدس" دوت كوم- علي سمودي- ستة أعوام، كان عمر فاطمة حين هاجمت العصابات الصهيونيّة قرية "الغبية التحتا" الواقعة على طريق حيفا/جنين، بعد مفترق "اللجون" ببضعة كيلومترات، ولا تزال ابنة عشيرة "النغنغية" تحتفظ بتفاصيل ذاك اليوم الذي كانت تلهو فيه مع عليّ؛ ابن أخيها الذي يصغرها بعام واحد، وما تبعه من رحلة تشرّد في نكبة فلسطين 48، ومحطات كثيرة عايشتها أيّام النكسة 1967.

تقول فاطمة تركمان إن هجوم عصابات "الهاغاناه" انطلق من مرتفعات "الغبية الفوقا"، وقرية الكفرين، وبدأ الجنود إطلاق النار على البيوت، فأصاب الفزع السّكان، وحاول بعض الرجال الذين يملكون السّلاح تنظيم صفوفهم لتحصين القرية والدّفاع عنها، فيما هربت هي برفقة عليّ نحو بلدة "المنسي" غرباً بمسافة كيلومتر ونصف.

وصلت فاطمة ومعها عليّ إلى أطراف قرية "المنسي"، فقابلتهما سيدة وهما في "حالة يُرثى لها"، وأمّنت مبيتهما حتى صباح اليوم التالي، ثم رافقتهما إلى قريتهما لطمأنة ذويهما الذين لم يذوقوا طعم النوم وهم يبحثون عنهما.

بعد عودتها، علمت فاطمة أنّ الشاب محمد الشهاب استُشهد وهو يقاتل عن القرية، فيما عادت عصابات "الهاغاناه" للهجوم على القرية مرّةً أُخرى، ودخلت أطراف البلدة من الطريق العام، وبدأت العائلات الفرار، فصار أفراد تلك العصابات يقتلون من في طريقهم.

المسن عبد القادر الرزي رفض أن يغادر، وبقي في بيته، كما تقول فاطمة، فدخل عليه أفراد العصابات الصّهيونية ووجهوا له عدة طعنات، فيما هو يصرخ مستغيثاً.

الشّتات..

رفض والد فاطمة أن يغادر حتى لو قُتل، فيما فرّ الباقون أولاً إلى قرية المنسي، ومن المنسي التي خلت من أهلها إلى قرية اللجون، وتقول: "هناك استراحت عائلتي في سهل اللجون، حيث جاء إلينا أهل اللجون لتقديم المساعدة، فاكتشف شقيقي الأكبر" أبو علي" أن أحد سكان اللجون صديقٌ له في العمل، فقد عملا بعض الوقت في محطة "الفينري" في حيفا".

وتضيف: "أصر عليه أن يصطحبه مع عائلتنا إلى البيت، ولبى شقيقي أبو علي دعوة صديقه وذهبنا إلى بيته، لكن الهجوم الواسع لعصابات الهاغانا لاحقنا أيضاً إلى قرية اللجون، ما دفعنا إلى الهروب إلى شمال بلدة أم الفحم لمنطقة تُدعى " أم عكروش".

آثار النكبة ..

لم ينتهِ المشهد في ظل استمرار زحف العصابات الصهيونية وارتكابها المجازر وملاحقة الأهالي من موقعٍ إلى آخر، وكسابقاتها، لم تستقر تلك الخيام التي جلست فاطمة وعائلتها تحتها، بل سرعان ما اقتلعت وحطت في منطقة قريبة من بلدة اليامون، غربيّ جنين، وهناك ونتيجة الشتاء الذي حلّ مبكراً في العام 1948، تقول إن والدها الذي التحق بهم لاحقاً، اضطر أن يستأجر كهف كبير من أحد الأشخاص من بلدة اليامون ليكون مكاناً لثلاثة عشر رأساً من البقر ورأسين من الجمال، التي كانت ثروته، واستطاع الهروب بها من الغبية"، أما هو (والدها) فقد بنى خيمته مع باقي جموع الخيام على حدود "الهدنة" أملاً بالعودة، لكنها تشير إلى أن القوات الأُردنية حذرتهم من البقاء في المكان بدعوة أن هذه المنطقة خطوط أمامية، ما اضطرهم، كما تتذكر، للمغادرة إلى بلدة رمانة والمكوث هناك ستة أشهر، ومن ثم إلى بلدة الزبابدة، والمكوث فيها أربع سنوات، ومع شح المياه في بلدة الزبابدة، ارتحلوا مرة أُخرى إلى رمانة-منطقة (السروج).

مخيم جنين ..

انتهت رحلة التشرد بعائلة فاطمة كالكثير من اللاجئن في مخيم جنين الذي كان أُقيم حديثاً بعد ما عرف بعام" الثلجة"، وتقول: "عشنا حياة صعبة وقاسية بسبب الحرمان من كل مقومات الحياة ، لكن بعدما تبدد حلم العودة، تابعنا حياتنا في المخيم لنعيش نكسة حزيران عام 1967".

وتضيف: "في الأيام الأُولى من حزيران، كانت العائلة تستعد لأحياء حفل زفاف شقيقي عليّ الذي كان طفلاً ابن خمسة أعوام يوم النكبة"، وعندما كانت فاطمة ابنة الثلاثة وعشرين عاماً في تلك المرحلة تعود من سوق مدينة جنين إلى بيتهم الكائن في الحارة العليا من الجهة الشرقية للمخيم، وما كادت تضع أغراضها لتستريح من الحر وطول المسافة، حتى سمعت فجأة انفجاراً قوياً.

وتقول: "دبت في صفوف الجميع حالة من الهلع والخوف والارتباك، بعدما شهدنا دخول دبابات الاحتلال من مرج ابن عامر إلى مدينة جنين، شعرنا برعب، وكان لا بد من الفرار مرةً أُخرى، لكن الوالد العجوز رفض المغادرة وتكرار ما حدث في النكبة".

نكسة حزيران..

أما فاطمة وشقيقتها "حُسُن" وزوجها أبو معروف وزوجة أخيها المهاجر إلى ألمانيا "أم نمر" وطفلاها يُسرى والرضيع رستم، فقد فروا نحو الجابريات، المنطقة المرتفعة ذات السطح المنبسط المطل على مخيم جنين.

وفي رصدها لتفاصيل المشهد، تقول: "كان القصف يشتد، وشاهدنا دبابة من سلاح المدرعات الأردنية من نوع باتون بريطانية الصنع، تسير باتجاه سهل الجابريات، فيما طائرة إسرائيلية من نوع سوبر ستير قاذفة مخصصة لقصف الدروع في سماء المنطقة".

وتضيف: "بينما كنا نستعد للهرَب من الحرب، صاح أحدهم علينا: إلى أين تذهبون؟ امكثوا في منازلكم، وقبل أن يكمل أغارت الطائرة الإسرائيلية على الدبابة موجهةً لها صاروخاً من نوع "نابلام" الحارق".

فاطمة ذُهلت من اصطدام الصاروخ الحارق المتفجر بجسم الدبابة، والحريق اللاهب الذي انبعث من الانفجار، وحوّل كما تقول "الدبابة إلى جمر، ركضنا أكثر، لكن لاحظنا تراجع اللهب، فبدأ سبعة جنود يخرجون من برج الدبابة محروقين ومصابين بجراح مميتة، أخفق بعضهم بالخروج، لكن بعضهم خرج، وصاح أحدهم: أسعفونا".

وتضيف: "تقدم زوج أختي أبو معروف، فوجد المستغيث وقد خرج بعض مخه من رأسه وهو يحتضر، فوضع تحت رأسه بطانية كانت في المكان".

وتتابع: "سرعان ما لحق بباقي العائلة بسرعة بعد عودة الطائرة إلى المكان مرةً أُخرى، وواصلنا طريقنا إلى بلدة قباطية، فوجدوناها خالية تماماً من سكانها الذين فروا إلى الجبال، فصعدنا إليهم، وأمضينا معهم تلك الليلة في الكهوف، لنعود في اليوم الثاني إلى مخيم جنين".

صور من الحرب ..

ذاكرة اللاجئة فاطمة هنا تحمل صوراً أُخرى من حرب عام 67، ذاكرة استشهاد عبد الله عطية نبهان، العائد إلى ذويه من ألمانيا بعد سنوات من العمل، لقد عاد من أجل الزواج، والده وأمه وشقيقاته وأشقاؤه، كونهم يعملون في تربية الماشية والأبقار والزراعة، فقد كانوا يرتحلون صيفاً إلى خربة "سفيريا" الواقعة قرب الزبابدة بحثاً عن العشب وبقايا الحصاد والماء.

وتقول: "في صباح يوم الحرب، قام عبد الله بطهي "بامية"، وحملها لأهله في خربة سفيريا، وهناك علم والده بالحرب، فطلب من ابنه العودة فوراً إلى بيتهم في المخيم حتى لا يتعرض منزلهم للسرقة".

وتضيف: "فعلاً عاد عبد الله معاكساً جموع الفارين من الحرب، ووصل قبل المساء، ومكث في بيته بمفرده يتابع ما يحدث، وفي الليل اشتد القصف".

تروي اللاجئة فاطمة أنه لم يكن عبد الله وحده من التزم البيت، فأحمد أبو قطنة المعروف بالمخيم باسم "أبو زيدان" أيضاً لم يغادر بيته، ومهيوب أبو الهيجا أيضاً، وكلاهما يعرف عبد الله معرفة جيدة، وتقول: "مع اشتداد القصف، خرج أحمد "أبو زيدان" من منزله نحو بيت مهيوب أبو الهجياء، وكلاهما قرر النزوج، وفي طريقهما مرّا ببيت عبد الله وأقنعاه بالخروج معهما، وفعلاً سار ثلاثتهم صباحاً نحو الجابريات".

وتضيف: "عبد الله كان يلبس كوفية حمراء، تُماثل الكوفية التي كان يعتمرها جنود الجيش الأردني، وفي أول منطقة الجابريات، اصطدم ثلاثتهم بتجمُّعٍ للجيش الإسرائيلي المحتل، فأطلقوا عليهم الرصاص".

وتتابع فاطمة: "عبد الله كونه مجنداً سابقاً ارتمى أرضاً، وكلٌّ من "أبو زيدان" ومهيوب تراجع للخلف، لكن تواصل إطلاق الرصاص نحوهم ، فأصابت طلقة رأس عبد الله، فركض ثلاثة أمتار للخلف ثم سقط ولفظ أنفاسه، فقام رفيقاه بوضع منديل كان في جيب أحدهما على وجهه المضمخ بالدم، وتركاه وانسحبا من المكان الخطر، ليعودا إليه بعد أيام، ودفناه في المكان نفسه، لكن والده وأهله الذين عادوا بعد شهر تقريباً، أصروا على نقل جثمانه إلى مقبرة جنين ودفنه هناك".

في الذكرى..

في منزل اللجوء في مخيم جنين، ما زالت تعيش اللاجئة فاطمة التي بلغت العقد الثامن، وأصبحت وحيدة بعد وفاة زوجها، كافحت وتعبت وعملت لتحافظ على حياتها، لكن رغم أوجاعها بسبب المرض وكبر سنها، ما زالت تؤمن بحق العودة.

وتقول: "عشتُ حياتي أنتظر هذه اللحظة، فلا يمكنني نسيان أرضنا وحياتنا في الغبية".

وتضيف فاطمة: "الموت وحلم العودة يتسابقان أمامي، ولا أدري أيهما يسبق الآخر، لكنّ وصيتي إذا تُوفيت بالمخيم أن يتمذ دفن جثماني في الغبية".