الأسيرة نسرين كميل.. معاناةٌ وحزنٌ يلازمان أبناءها السبعة، ومقعدها على المائدة بانتظارها

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– يتحسر الابن فراس (18 عاماً)، كلما جلس مع والده وأشقائه الستة على مائدة الإفطار، وهم يفتقدون والدتهم الأسيرة نسرين حسن عبد الله أبو كميل، التي غيبها الاحتلال عنهم، لرمضان الخامس على التوالي، ويقول: "الحياة ليس لها طعم ومعنى دون الوالدة الحنونة والطيبة والرائعة التي كانت ترعانا وتسعدنا وتتابعنا وتحرص على تجهيز ألذ وأشهى أصناف الطعام والحلويات طوال أيام الشهر الفضيل، لكن أبعدنا عنها السجن والسجان والقيود".

ويضيف: "كانت توقظنا بعد تجهيز السحور، ونفرح بحضورها وحديثها الشيق، وبعد صلاة الفجر، تسألنا عما نشتهي من طعام لتحضره لمائدة الافطار، لم تكن تفكر سوى برعايتنا وتوفير حياة جميلة ومستقرة لنا، لذلك، لم يبق لنا في رمضان سوى الحزن والأمل والدعاء لرب العالمين ليجمع شملنا بها في العيد المقبل".

أجواء صعبة..

تُخيم أجواء الحزن على حياة عائلة الأسيرة نسرين في مدينة غزة، ورغم جهود رفيق دربها حازم "أبو فراس"، وتفانيه لرعاية أطفاله والتخفيف من حزنهم الكبير على فراق والدتهم، ويؤكد أن "غيابها ترك أثراً كبيراً على حياة كل العائلة التي ما زالت تعيش صدمة اعتقالها وغيابها خلف القضبان".

ويقول: "أوضاعنا في رمضان صعبة لدرجة كبيرة، خاصة بالنسبة لأولادي، يعتصرهم الالم ونشعر بوجع في قلوبنا كلما شاهدنا مكانها فارغاً على موائدنا".

ويضيف: "كانت زوجتي الأُم الحنونة، على أطفالها والمسؤولة عنهم في كل شيء، تدرسهم وتتابع أمورهم وتحقق امنياتهم، وفي رمضان نتذكر حرصها على تجهيز أشهى الأكلات على المائدة وتميزها في طهي الدوالي والملوخية والمحاشي وغيرها".

ويُكمل: "نتذكر إبداعها في صناعة الحلويات الرمضانية التي كانت تزين مائدتنا، وخلال اعتقالها، علمنا أنها ماهرة في تصنيع الحلويات للأسيرات، ولغاية اليوم، تتفنن بصناعة الحلو خلف القضبان بشتى أنواعه".

ويتابع: "اليوم، أتعاون مع الابناء في تحضير الطعام، وتجربتهم في غياب والدتهم، أثبتوا قدرتهم على تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقهم في مواصلة حياتهم وتحدي العقبات، اعتقال والدتهم علّمهم الاعتماد على النفس والثقة الكبيرة والارداة".

ويستدرك: "لا يغيب ذكر والدتهم على لسانهم، يتعاملون بروح التحدي وكانها متواجدة بيننا، ودعواتنا لها دائماً بالفرج القريب إن شاء الله، لنستعيد كافة اللحظات الجميلة معها خصوصا في المناسبات، ونتمنى لها الخلاص من السجن والسجان بالقريب العاجل".

من حياة الأسيرة..

في مدينة حيفا وُلدت ونشأت وعاشت الأسيرة نسرين، درست وتعلمت وتابعت مسيرتها الدراسية بنجاحٍ حتى تخرجت من الجامعة بشهادة البكالوريوس بالمحاسبة من جامعة حيفا، وفي مطلع شهر نبسان عام 2000، تزوجت من رفيق دربها الغزي حازم أبو فراس، وعاشا حياة سعيدة في منطقة الرمال، رُزقا بأربع بنات وثلاثة ذكور، وتقاسما ظروف الحياة وتربية الأبناء حتى اعتُقلت بشكلٍ مفاجئ.

ويقول زوجها: "كرست حياتها لأطفالنا كربّة بيت، اهتمامها الأول والأخير بالعائلة، عشنا حياة رائعة متعاونين ومتكاتفين برعاية وتربية اولادنا والتخطيط لمستقبلهم، لم تنتَمِ يوماً إلى حزبٍ أو تنظيم، ولم تمارس أي نشاط سياسي".

ويضيف: "ارتبطت بعلاقة وطيدة مع الابناء والبنات والعائلة وكل من حولنا".

كابوس الاعتقال..

بتاريخ 18/ 10/ 2015، قطع الاحتلال طريق نسرين التي كانت متوجهة لزيارة عائلتها في مدينة حيفا واعتقلت عن معبر بيت حانون (إيرز).

ويقول زوجها: "شكّل اعتقالها أكبر صدمة بحياتنا التي تحولت إلى كوابيس رعب وقلق، فهي تتنقل بشكل طبيعي ودائم، وكانت ذاهبة لزيارة عائلتها في حيفا، لكنهم احتجزوها ونقلوها إلى جهة مجهولة".

ويضيف: "عشنا لحظات رهيبة بعدما انقطعت أخبارها عنا أُسبوعين، احتجزت خلالها في زنازين سجن "المجدل"، للتحقيق دون السماح للمحامي بزيارتها لمدة 45 يوماً وتعرضت لضغوط نفسية والشبح والعزل".

ويتابع: "من سجن هشارون نقلوها للدامون الذي تقبع فيه حالياً، ولم نرها أنا وأولادي، منذ لحظة اعتقالها، رغم أن القانون يكفل لنا ذلك".

ويتساءل: "أي شريعة وقانون في العالم تسمح لاحتلالٍ بمنع أسير من زيارة ورؤية ذويه طيلة هذه المدة؟ هذا العقاب أقسى من السجن وأصعب قضية بحياتنا".

خلف القضبان..

حتى خلال جلسات المحاكم، لم يسمح الاحتلال لعائلة نسرين برؤيتها أو حضورها، واستمرت رحلة المعاناة والتأجيل على مدار 28 جلسة، حتى حوكمت بالسجن الفعلي لمدة 6 سنوات، ويقول زوجها: "شعرنا بصدمة من قرار الحكم الظالم الذي لم يُراعِ معاناتها من أمراض السكري والضغط، وقد تدهورت صحتها أكثر بسبب إصابتها بكسر في اليد اليسرى خلال اعتقالها، وتعمّد الاحتلال إهمال علاجها، وتم تجبير يدها بطريقة غير صحيحة".

ويضيف: "هناك إهمال طبي متعمد تجاه زوجتي، وتقصير مستمر رغم تقديمها عشرات الطلبات لعرضها على طبيب مختص لعلاج يدها التي ما زالت على حالها، وتحتاج الى علاجات طبيعية مستمرة حتى تعود يدها كما كانت".

أعياد مؤجلة..

في ظل منع الزيارات، يتواصل فراس وإخوانه مع والدتهم عبر برامج الاسرى التي تبث في الاذاعات المحلية، ويقول: "عندما اعتقلت والدتي كنتُ بعمر 12 عاماً، وعانينا وتألمنا كثيراً لأننا حُرمنا حنانها وحضنها ورعايتها، نبكي في كل المناسبات، فالاحتلال يعاقبنا حتى بالزيارات الممنوعة أصلا قبل فيروس كورونا".

ويُضيف: "تمضي الأيام وما زلنا نحلم، وأحلامنا تختلف عن كل الأطفال، لا نريد هدايا أو ألعاباً، نريد عودة والدتنا إلينا لنعيش في كنفها وتغمرنا مع والدنا بالسعادة.. اقترب العيد، لكن أملنا برب العالمين أن نرى والدتي بيننا، فأعيادنا مؤجلة ما دامت هي خلف القضبان".