ذكريات رمضان أيام زمان.. تراحُمٌ وتكافلٌ ومحبة وأجواءٌ من الدفء والبساطة والبهجة

جنين – تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم- علي سمودي- ارتسمت معالم التأثر الممزوجة بالحزن والحسرة، على محيا المواطن باسم إبراهيم علي "أبو زيد"، الذي تجاوز العقد الخامس، خلال حديثه عن ذكريات وطقوس شهر رمضان المبارك، أيام زمان، التي جمعت "الناس على التراحم والتكافل والمحبة".

يقول "أبو زيد"لـ"القدس": "كنا نأكل من طبق واحد، ولا ينام فقير جائع، نحتفل بكل يوم بحلويات رمضان البسيطة التي تجهزها أمهاتنا والجارات، ونتبادل الطعام لتتزين موائدنا بكل ما لذ وطاب رغم ظروف الحياة الصعبة".

رغم كل التطور والحداثة والتكنولوجيا، فإن هذه الطقوس أصبحت ذكريات نتألم عليها كلما تحدثنا عنها، ويقول: "المؤلم أن رمضان يأتي وغالبيتنا نعيش في واقع صعب ازداد مرارة في ظل فيروس كورونا، لقد تفككت العلاقات الاجتماعية، ولم تعد هناك أسر متعاونة حتى في داخل البيت الواحد لدى البعض، رحم الله أيام رمضان".

في بلدة اليامون، غربيّ جنين، وُلد ونشأ وعاش باسم لعائلة ريفية محافظة، درس في مدارسها، لكنه لم يكمل تعليمه لظروف الحياة وخرجه لسوق العمل وامتهن مهنا عدة حتى تزوج وأسس حياته كرجل عصامي ومكافح كرس حياته لعائلته بعدما رزق بأربعة أبناء.

وخلال الانتفاضة الأولى تعرض باسم للمطاردة والاعتقال مع إخوانه بسام وراسم وبلال، وقضوا عدة سنوات في سجون الاحتلال، لكن شقيقه البكر بسام استشهد برصاص قائد سجن النقب خلال انتفاضة الأسرى ضد سياسات إدارة السجن عام 1988، واستشهد معه الأسير أسعد الشوا من قطاع غزة.

صيام الطفولة

يتذكر باسم مراحل حياته الأولى عندما بدأ بالصوم بعمر 10 سنوات بدعم وتشجيع والديه، ويقول: "بعد تجربة الصيام الأولى، أصبحت أحب شهر رمضان كثيراً، ونشارك الكبار في طقوسه والتعبد والصلاة، واحتفالات الفرح بقدومه، ورغم صغر سننا، كنا ننتظر حلول رمضان".

ويوضح باسم: "كان الاطفال يتفاخرون بمقدرتهم على الصوم وتحمل الجوع مثل الكبار، وأحياناً كنا نتبارى ونتسابق فيمن يصمد أكثر بمواصلة الصيام الذي وفر لنا محبة كبيرة لدى أهلنا وحصلنا على هدايا تقديرية لصبرنا وتحملنا بعد كل إفطار".

في فصل الشتاء كان يأتي رمضان وصومه قصيراً، وتمضي الساعات بسرعة ولا يشعر الصائمون بالجوع، ويقضيون يومهم بقراءة وحفظ القرآن الكريم والاستماع للدروس الدينية أو الحكايات الشعبية بعد الإفطار في كل يوم من رمضان، وبعد صلاة التراويح، ولأن الليل طويل جداً، كان الصغار والكبار نساء ورجالا يتجمعون لسماع الحكايات التي يرويها الأجداد من السيرة النبوية وتاريخ الإسلام والقصص الشائعة التي يحفظها الأطفال عن ظهر قلب لكنهم يتشوقون لسماعها حتى حلول موعد السحور.

الاستعداد لرمضان في الريف

تحضيرات أهالي بلدته اليامون لاستقبال شهر رمضان المبارك، كانت تبدأ قبل حلوله بأيام، وما يميز محطات تلك الحقبة، أن الشهر حل عدة مرات في فصل الشتاء حيث كان باسم طفلاً بعمر الزهور، لكنه يتمتع بذاكرة قوية.

يقول باسم: "في رمضاني الأول شاهدت حب وفرحة الناس بالشهر وهم يحضرون الأطعمة المتوائمة وفصل الشتاء، لقد كان الناس يجهزون متطلباتهم للطعام طوال الشهر من العدس والبرغل والفريكة، ويجففون الملوخية والبندورة والبامية، إضافة إلى حاجيات اخرى كاللبن والجبن لعدم وجود ثلاجات وقتها".

ما يميز حياة العائلات الريفية في رمضان أنها كانت تمتلك حظيرة لتربية الأغنام والدجاج البلدي والحمام "الزغاليل"، وجميعها تزين موائدها، أما مشاركة كافة العائلات بتوزيع صحن من كل شيء تجهزه الأم على الجيران فهي من الطقوس الجميلة في الأرياف.

تبددت معالم حزن باسم، وحلت مشاعر الفرحة على محياه وهو يتحدث لـ"القدس"، وكأنه يعيش تلك اللحظات الجميلة التي يتمنى عودتها، ويقول: "سنبقى طوال عمرنا نبكي ونتحسر لأن أوضاعنا تغيرت للأسوأ، حتى طعامنا وموائد رمضان هذه الايام ليست طبيعية وتفتقد لنكهة وحلاوة الشهر الفضيل الذي كانت فيها نساء البلدة يتنافسن في إعداد وجبات الإفطار".

أما أشهر الوجبات التي كانت تقدم على مائدة رمضان زمان، فهي شوربة "العدس الصحيح" وبقية الأطعمة مثل الفتة، بينما الحلويات فاسمها "المطقطقة" المحشية باللوز والجبن والقطر، وهو من أنواع الحلويات التي تطورت واستبدلت بالكنافة، بينما لم تكن الكولا ومنتوجات العصائر موجودة في ذاك الزمن، لكن باسم يؤكد أن جميعها لا تضاهي عصير الأمهات في رمضان زمان، من شراب الليمون الذي يتكون من ملح وصبغة ليمون.

إفطار بلا كهرباء

كباقي الريف الفلسطيني، لم تتوفر كهرباء في اليامون في تلك الحقبة، واستخدم الناس الفوانيس والفحم للسهر وقضاء حاجاتهم، بينما كان الجميع ينتظر إعلان موعد الإفطار من شيخ المسجد، فلم تكن هناك مكبرات صوت، فإعلان موعد الإفطار يردده الشيخ عبر الأذان بصوته الجهوري.

يقول باسم: "قبيل الإفطار يكون الأطفال مجتمعين في ساحات القرية وفور سماع المؤذن، نحتفل بترديد التكبيرات والأناشيد.

ويتابع باسم: "بعدها نعود لمنازلنا فرحين بانقضاء اليوم وتناول الإفطار مع أهلنا، وفي المساء نجتمع حول كبار السن، لنستمع رواياتهم وأحاديثهم الشيقة عن الدين والتاريخ وإرثنا بأسلوب عجيب ومؤثر وساحر حتى ننام مخدرين من شدة تأثرنا".

"الحاووط".. المسحراتي

من صور رمضان زمان، التي لا ينساها باسم، "المسحراتي"، الذي أطلق عليه أهل بلدته اليامون لقب "الحاووط"، إذ يقول باسم: "كنا نحب هذا الرجل الساحر كثيراً، يتمتع بالبساطة والطيبة والصوت الجميل الذي ينطلق مع أداته التي تكونت من صفيحة زينكو يطرق عليها بعصا صغيرة وهو يجوب الطرقات مردداً (يا نايم وحد الدايم.. صلي على رسولك محمد.. واللي صاحي يفيق النايم.. والخطية برقابكم جميعاً)".

حتى أذان الفجر كان المسحراتي لا يتوقف عن ترديد النداءات والذكر والدعاء والصلاة على الرسول والأنبياء حتى يكمل يجوب شوارع القرية وحاراتها طوال رمضان.

أما سحور الناس في الريف، فكان يتكون من: (اللبنة، والجبنة، والبيض المسلوق، والبيض المقلي، و العدس الجامد، وزيت الزيتون، والعجوة التي كانت تأتي في زنابيل من ورق النخيل، وكان سعرها نصف دينار في تلك الأيام)، يوضح باسم.

لا نوم دون الاطمئنان على الجيران

بألم وحزن، يقول باسم: "في تلك الأيام، عمت حياة المحبة والتعاون، الجار لا ينام أو يأكل، خاصة في رمضان، دون الاطمئنان على جاره، وكل يهدي جيرانه مما يطبخ، فكانت سفرات وموائد الإفطار كاملة لكل الأصناف، فلا فقير أو محتاج بيننا".

ويضيف: "كنا متعاونين في كل شيء، الجميع يهب للمشاركة في بناء منزل لابن البلد، وفي مواسم الحصيدة يد واحدة لقطف المحاصيل والزيتون، كما كانت تتجلى روح المحبة والتعاون في حراثة وزراعة الأرض".

باسم بدا محزونا لما آلت إليه الأحوال اليوم، ويقول: "نعيش هذه الأيام حالة تفكك، وغابت روح الألفة والتعاون والتراحم التي تعتبر من أهم قيم الإسلام العظيم، للأسف ابتعد الكثير من الناس عن بعضهم البعض، ودخلت القيم والعادات الدخيلة، فنسأل الله التغيير وأن نعود لبعضنا البعض، كي نكون متكافلين متضامنين متعاونين، تشدنا الوحدة والغيرة على ديننا"، فيما يتمنى باسم أن تعود أيام زمان بالحب والإيمان والاشتياق والحس المرهف والغيرة الشديدة، للفرح بطقوس رمضان، ولفظ كافة السلبيات.