الأسير عزام ذياب.. وجع غياب الوالدة والحرمان من زيارة العائلة

جنين- تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم- علي سمودي- منذ وفاة والدته قبل سنوات بسبب المرض، لم يبقَ أحد يزور الأسير عزام نبيل سعيد ذياب (42 عاماً) من بلدة كفر راعي، جنوبيّ جنين، والمحكوم بالسجن المؤبد، وتمضي السنين وبسام يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي ليستقبل رمضان التاسع عشر خلف القضبان بصمود ومعنويات عالية، فيما تعاني عائلته من حرمان جميع أفراد أُسرته من زيارته كون إخوانه أسرى محررين.

يقول الأسير المحرر بسام ذياب، شقيق عزام، لـ"القدس": "تتمنى العائلة أن تفرح قريباً بحرية عزام وانكسار القيد، لقد أتى شهر رمضان المبارك، ونشعر بحزن كبير لمعرفتنا بما يعانيه كل أسير لفقدانه أهله، نتذكر كل المآسي التي حلت بعائلتنا منذ اعتقال عزام، ورغم اعتزازنا بشقيقي وكل الأسرى، لكن من أين تأتي فرحة رمضان؟".

19 رمضاناً والوجع يُلازم العائلة

يُكمل الأسير عزام ذياب 19 رمضاناً من حياته وعائلته، والوجع والدموع خاصة لوالدته قبل رحيلها، والتي لم تتوقف عن رحلة الصبر والزيارات، رغم مشاق الطريق نحو السجون التي وقفت على أبوابها جميعاً.

يقول المحرر بسام: "في رمضان نتذكر كل ثانية ودقيقة مواقف وصور ولحظات وذكريات وجلسات عزام بيننا وضحكاته وحضوره على موائد عائلتنا، وكأننا في حلم انتهى باعتقاله وزجه بسجون الاحتلال التي فرقتنا وحولت حياتنا لجحيم".

ويؤكد بسام: "حكاية شقيقي موجعة ومؤلمة، 19 عاماً من عمره وزهرة شبابه قضاها في غياهب السجون، لكن ما يخفف عنا أنه صامد وصابر ويتحدى ويعيش حياته، كأنه حرّ من خلال ممارسته الحياة الطبيعية وإكمال دراسته الجامعية، وأمنيتنا أن يكون رمضانه الأخير بعيداً عنّا، ونفرح بكسر القيد وحريته وكل الأسرى، ويلتم شملنا في العيد المقبل".

"أم هشام" بين رحلة الكفاح وبوابات السجون.. رحيلها كان الصدمة

منذ عام 1994، قضت "أم هشام" حياتها على بوابات سجون الاحتلال حتى رحلت عام 2016، ورغم مكافحتها صعاب الحياة كي تربي أبناءها تحملت كل المعاناة خلال أسر أبنائها، "فقد مرت سنوات ومناسبات وأعياد وأبناؤها خلف القضبان، ولم تتوقف عن الدعاء لهم ورفع معنوياتهم على الرغم من وجعها وألمها ودموعها التي لا تنقطع، وأملها بالله أن يتم الإفراج عنهم من سجون الاحتلال"، يوضح بلال، شقيق عزام، في حديث لـ"القدس".

يقول بلال: "رغم تحررنا لم تفرح والدتي يوماً، وبقيت تبكي حتى توفيت بسبب المرض، وكان حلمها الوحيد رؤية عزام حراً والفرح بزفافه، وإن شاء الله يتحقق حلمها، فلن يدوم الاحتلال وسجونه".

شكل رحيل الوالدة "أم هشام" صدمةً لابنها عزام الذي كان متعلقا كثيرا بوالدته ويعتبرها كل عالمه، وأصبح عزام بعدها معزولاً ومحروماً من الزيارات، يقول شقيقه المحرر بسام، الذي يشير إلى أن عزام انقطع عن العائلة ولم تعد تسمع أخباره، "فالاحتلال يعاقبهم جميعاً بما ذلك شقيقاتهم بالمنع الأمني".

يقول بسام: "خلال اعتقال أخي، تزوج الجميع وأصبح عماً وخالاً لأطفالنا الذين لم يرهم ولا يعرفهم إلا عن طريق الصور، لكن أملنا برب العالمين أن نرتاح من الاحتلال وسجونه وتصاريحه ونفرح قريباً بحريته التي نتوقعها في كل لحظة، فهذا أمل مثل الشجرة زرعته والدتنا في قلوبنا وسيثمر ويصبح حقيقة في يوم من الأيام، صلواتنا ودعواتنا في رمضان، لكل الأسرى في ظل جائحة كورونا، ونتمنى لهم الصحة والسلامة وأن نراهم في العيد القادم وسط أهلهم وفي رحاب وطنهم لتكتمل أفراح العيد والحرية".

عزام.. المكافح لأجل أسرته والوطن

اضطر عزام ذياب لعدم إكمال دراسته الجامعية بعد إنهائه الثانوية العامة، مُضحياً من أجل إعالة أسرته، المكونة من عشر أنفار، وعزام فيها ترتيبه الرابع، وتميز بالالتزام والرضا وحب الوالدين والعائلة والأخلاق الحميدة.

عزام اضطر للعمل من أجل أن تعيش عائلة المتواضعة، فعمل في المطاعم حتى يعيلها، خاصة بعدما قرر أن يساند والدته الراحلة "أم هشام" التي تولت المسؤولية عقب وفاة والده عام 1986 وهو في الأربعينيات من العمر، فأكملت الوالدة المشوار، وهبت حياتها لرعاية أطفالها وضحت من أجلهم وربتهم على الدين والصلاح وحب الوطن والأرض والتضحية والأخلاق الحميدة، يؤكد بسام.

قضى عزام حياته مكافحاً من أجل أسرته، وعمل بمهن عدة في الداخل حتى اعتقله الاحتلال قرب بلدة باقة الغربية في 18 آب 2001، حينما كان متوجها للعمل، وفوجئ بقوات الاحتلال تنصب له كميناً رغم أنه لم يكن مطلوباً ويمارس حياته بشكل طبيعي.

قوات الاحتلال اعتقلت عزام حينها واقتادته لزنازين التحقيق في سجن الجلمة بتهمة إرسال شخص لتنفيذ عملية، ثم عاشت عائلته على مدار 80 يوماً رعبا وقلقا، لانقطاع أخباره خلال احتجازه في أقبية التعذيب، ونقل بعدها إلى سجن عسقلان، وبعد رحلة معاناة مريرة حوكم بالسجن المؤبد.

لم ينل السجن من عزيمة عزام.. وحكاية لقاء الأخوين

لكن الحكم بالسجن المؤبد لم ينل من عزيمة عزام ومعنوياته، فعاقبه الاحتلال بالنقل ولم يبقَ سجن إلا واحتجز فيه، وفي السجن واصل عزام تأدية واجبه النضالي مع الأسرى، وشارك في كافة المعارك والإضرابات الجماعية، ومنها أطول إضراب عام 2004، كما أضرب تضامنا مع شقيقه الأسير المحرر بلال حينما خاض إضراباً ضد اعتقاله الإداري، وفق ما يروي الأسير المحرر بلال ذياب في حديث لـ"القدس".

يقول بلال: "تعرض عزام في داخل سجون الاحتلال للعزل والعقوبات والنقل، وفي كثير من الأحيان، خاصة خلال الإضرابات، كان الاحتلال يتكتم على مصيره ولا نعرف بمكان اعتقاله، وقد استقر منذ فترة في سجن ريمون".

في سجن جلبوع التقى عزام بشقيقه بلال، حينما كان بلال معتقلا عام 2015، وكانت المفاجأة باللقاء للمرة الأولى، بعد طول غياب، بعدما عاقب الاحتلال بلال لسنوات بمنعه من زيارة شقيقه عزام، وخلال اعتقالاته لم يكن الاحتلال يسمح لعزام وأشقائه بالاجتماع في سجن واحد.

يوضح بلال: "رغم وجع الأسر وألمه، كانت لحظات جميلة جداً، فعزام أخي وقطعة مني، لم أصدق أن شقيقي أصبح بجانبي، كانت مفاجأة لا توصف، حينها بدأت بالبكاء وانتهت بالمرح والسعادة، وأصبحنا نتحدث ونتذكر أيامنا الجملية وسط أسرتنا وأيام طفولتنا التي عشناها معاً وكنا نحلم لو تعود تلك الأيام".

يقول بلال: "تمنيت أن تتوقف عقارب الزمن لأعيش مع عزام أكثر أو يفرج الله كربه بصفقة مشرفة، فعندما حل موعد إطلاق سراحي توجعت، لأن الفراق كان صعباً جداً، حينها ودعته بالدموع والدعوات، ولم أشعر بفرحة التحرر، لأنني تركت شقيقي خلفي، وسنبقى نصلي وننتظر تحرره بصفقة تبادل جديدة لنكون معا أحرارا، ففرحتنا الكبيرة ستكون بتحرره".

الاحتلال يستهدف عائلة عزام

في سن 17 عاماً، بدأ الاحتلال باستهداف الأسير بلال ذياب الذي يعتبر من أبطال معركة الأمعاء الخاوية الأوائل، حيث اعتقل عام 2003 مع شقيقه بسام، وتعرضا للتحقيق في عسقلان، ثم حوكم بلال بالسجن لمدة 80 شهراَ، ليصبح 3 من أفراد الأسرة معتقلين.

لكن الاحتلال واصل استهداف العائلة، حيث جرى اعتقال علام شقيقهم، عام 2004، وقضى 14 شهراً رهن الاعتقال الإداري، وفي عام 2005 اعتقل الاحتلال شقيقهم الآخر عصام وتحرر أواخر عام 2006، وتحرر بسام بعد قضاء حكمه البالغ 5 سنوات ونصف السنة عام 2009، ثم تحرر بلال عام 2010.

أعاد الاحتلال اعتقال بلال عام 2011 وحوله للاعتقال الإداري لمدة عام، فخاض إضراباً عن الطعام لينتزع بعدها حريته، لكن الاحتلال واصل استهداف بلال مرة أخرى واعتقلت خلال العدوان على غزة عام 2014، وتمت محاكمته مدة عام ونصف، وبعد الإفراج عنه، اعتقل مرة أخرى عام 2017 ليمضي مدة 6 شهور في الاعتقال الإداري، وأضرب حينها مدة 45 يوماً حتى أُطلق سراحه.