جثمانه مُحتجز منذ 19 عاماً، أُم نضال تتمنى أن يصبح لنجلها قبرٌ ويتحرر ابنها الآخر

جنين- "القدس" دوت كوم- علي سمودي- تختلف حياة وأمنيات المواطنة أم نضال عن باقي الأمهات في شهر رمضان المبارك، وبينما تعم أجواء الفرح في المنازل الفلسطينية باجتماع الشمل وحضور الأحبة على موائد الإفطار والسحور، تنتابها مشاعر الحزن والألم، فهي تفتقد نجلها الشهيد نضال إبراهيم مصطفى أبو شادوف الذي ما زال الاحتلال يحتجز جثمانه منذ 19 عاماً في مقابر "الارقام".

أما نجلها الثاني إسماعيل، فيقبع في غياهب السجون، وتقول: "كل يوم في حياتي حزن ودموع، خاصة خلال شهر رمضان المبارك، فلم يعد يحتمل قلبي احتجاز جثمان ابني، فلا قبر أزوره فيه، ولا أي بارقة أمل بتحريره من مقابرهم، وكلما حلت ساعات الإفطار، تسيطر علينا مشاعر الالم".

وتضيف: "تحولت كل ثانية من حياتنا لعذاب حقيقي بين غياب نضال واسماعيل الذي يضيع عمره وشبابه خلف القضبان، يتعرض وباقي الأسرى لموت بطيء وعذاب أقسى من الجحيم".

وتكمل: "إلى متى الانتظار والصمت والاحتلال يدير ظهره للعالم؟ صبرت وتحملت كل الويلات بعد هدم منزلنا وتشريدنا كعقاب عقب استشهاد بكري نضال الذي اتمنى رؤيته ووداعه ودفنه وفق الطقوس الاسلامية ككل شهيد ، ليصبح له قبراً أزوره بشكل دائم".

ظلم وعقوبات ..

تتزين جدران منزل العائلة الذي أعيد بناؤه في بلدة برقين بمحافظة جنين بصور الشهيد نضال والأسير إسماعيل، لتبقى كما تقول والدتهم "ذكراهم حية وماثلة أمامنا، فكل يوم، أقف أمام صورهم، أتحدث إليهم عن همومي ومعاناتي التي تعجز عن وصفها كلمات بغيابهم الذي طال، فأي قانون وشريعة في العالم تجيز احتجاز الجثامين؟".

وتضيف: "ظلم الاحتلال وعقوباته وجرائمه فتحت بحياتي جراحاً لا تندمل، بدأت بعقابنا الاول والمستمر باحتجاز جثمان ابني نضال منذ تنفيذه عملية فدائية في 16-7-2001".

وتكمل: "رغم مرور 19 عاماً، لم نره، سواء أكان حياً أم ميتاً ، الاحتلال اعلن استشهاده وما زال يرفض اعادة جثمانه لنا ، فإلى متى يستمر هذا الظلم والجريمة التي تتنافى وكافة الاعراف والمواثيق الدولية".

عائلة مناضلة..

على مدار السنوات الماضية، عانت عائلة أبو شادوف الكثير في ظل استهداف الاحتلال لها، فكانت المحطة الثانية الاصعب ، عقاب الهدم والتشريد.

وتقول الأم: "خلال دقائق، وبلمح البصر، دمر الاحتلال تعب وشقى العمر عندما عاقبنا في 3-11-2001 ، بهدم منزلنا المكون من طابقين و تشردت أسرتنا المكونة من 12 نفراً".

وتضيف: "لم أذرف دمعة ، لاعتزازي ببطولات أبنائي ، لكن وجعي وقهري بسبب رفضهم تسليمنا جثمان نضال وعلاج ابني الأسير اسماعيل الذي يتهدد الخطر حياته ، فالى متى سنبقى نحتمل؟".

وتتابع: "خلال انتفاضة الأقصى، استشهدت زوجة شقيقي المناضلة سميرة الزبيدي في مخيم جنين، وخلال معركة نيسان الشهيرة، استشهد ابنها طه وابن أُختي الشهيد القائد زياد العامر خلال المعركة التي اعتقل فيها ابن أخي يحيى ثم أشقاؤه داود وجبريل ونجا شقيقهم زكريا من محاولات الاغتيال ، حتى اعيد اعتقاله العام المنصرم رغم حصوله على عفو".

وتتابع: "لم يسلم أحد من أبنائي وعائلتي من عذابات السجون، فأيّ إنسان في العالم يحتمل كل هذا القدر من الضغوط والمعاناة والظلم والاحزان التي صنعها الاحتلال الغاشم؟".

حكاية إسماعيل

وحدها، الوالدة أُم نضال، من تحملت وصبرت في مواجهة هذه الظروف والمشاهد، لكنها تبكي وتتألم لاستمرار معاناة ابنها الرابعإسماعيل الذي ولد في قرية برقين بتاريخ 20/ 2/ 1984، وتقول: "عاش كل هذه المآسي، فتأثر بها، ولم يتقاعس يوماً عن المشاركة في المسيرات والمواجهات، لكنه حافظ على دراسته وتعليمه وبعد نجاحه في الثانوية العامة تابع دراسته في دار المعلمين في قلنديا، وتخرج بشهادة تجليس ودهان السيارات".

وتضيف: "قبل أن يبدأ خطوات حياته المهنية، استشهد شقيقه نضال، وعندما كنا نعيش الصدمة، اقتحم الاحتلال منزلنا وهدمه، فقرر إسماعيل مقاومة الاحتلال الذي أدرج اسمه ضمن قائمة المطلوبين".

الاعتقال والحكم

تمرد إسماعيل ورفض تسليم نفسه، وأكمل مشواره النضالي رغم المخاطر والتهديد بتصفيته، حتى وقع في قبضة الوحدات الخاصة الاسرائيلية التي حاصرته واختطفته من قريته في 4/ 1/ 2004، وتقول والدته: "نجا من محاولة الاغتيال، واقتادوه إلى أقبية التحقيق، قضى 5 أشهر في الزنازين عانى خلالها من التعذيب والعزل حتى حوكم بالسجن الفعلي 28 عاماً، بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الاسلامي والمقاومة".

وتضيف: "عاقبه الاحتلال بحرمانه من الاستقرار وتعمد نقله بين السجون وتعرض للعزل في زنازين سجن " نفحة"، الانفرادية بتهمة محاولة الهروب من السجن، كما عوقب بالمنع الأمني، ولا يُسمح لي بزيارته سوى كل عام مرة، وكان يحضر لغرفة الزيارة مكبل اليدين والقدمين".

في رمضان..

لم تنته معاناة إسماعيل، فظروف العزل، أثرت كثيراً على صحته، وأصبح يعاني من ألمٍ في قدميه وشرايين اليدين، ونقص فيتامين بي 12، ورفضت إدارة السجون علاجه، ما سبّب له مضاعفات، وتقول والدته: "رغم مرضه ومعاناته المريرة، عوقب بالعزل مراتٍ عدة لحرمانه من العلاج، لكني أوكلته لرب العالمين ليحميه ويحفظه وكل الأسرى من كل شر، خاصة في ظل تفشي فيروس كورونا".

وتضيف: "ما زال لديّ نفَس وقوة، لن أفقد الأمل، وفي شهر رمضان المبارك، نتمنى أن يُفرحنا رب العالمين بتحرير جثمان نضال وأزفه عريساً لفلسطين، وبحرية إسماعيل وكل أبطال الحرية".