الكورونا محطة للمراجعة وإعادة رسم المستقبل

بقلم: منيب رشيد المصري

الكورونا ، وباء العصر الذي غير ملامح العالم ، ونمط حياة الأمم ، وفرض تحديات جمة أمام معظم الدول اقتصاديا واجتماعيا وصحيا ، وباء حول العالم إلى قرية صغيرة من حيث سرعة انتشاره وأثبت ضعف البشرية وعجزها في مواجهة غضب الطبيعة والكوارث غير البشرية فعطل المطارات وأغلق دور العبادة والجامعات والمدارس والمصانع، وشل الحركة التجارية وغير ذلك من تعطيل مظاهر الحياة باختلافها .

وباء شكل تحديا كبيرا أمام دول العالم واختبارا صعبا أمام الشعوب لتتباين المخرجات والقدرات على الانضباط وادارة الأزمات وتوجيه المقدرات وتحديد الأولويات ومقدار التضحية لأجل الإنسانية و الصحة العامة على حساب المصالح الإقتصادية .

كثير من التفاصيل العامة والخاصة تغيرت ولكن ما زالت الكثير من الصراعات والنزاعات على حاله ومازال السلوك العدواني بارزا في الكثير من القضايا، وما زال الفلسطينيون بانقسامهم ، ومازال الاحتلال الاسرائيلي يمارس جرائمه ضد الشعب الفلسطيني بل تصاعدت ، ومازال ترامب بعنجهيته وتكبره ومازال العرب بتشتتهم وتفرقهم .

إن هذا الظرف العالمي الذي نمر به والذي نتج عنه وفاة أكثر من مئتي ألف إنسان وإصابة أكثر من ثلاثة ملايين آخرين على امتداد العالم يحتم على الجميع وخاصة القوى العظمى إعادة النظر بسياساتها وتحديد أولوياتها ويحتم على البشرية بأسرها مراجعة سلوكها ابتداء من تفاصيل حياتها اليومية ومرورا بالعلاقات مع الطبيعة والبيئة واحترامها للإنسان وغير ذلك من السلوك الذي نتج عنه المزيد من التدمير للمجتمعات البشرية وأفرز مظاهر الإرهاب والظلم والفقر والبطالة .ويحتم علينا كفلسطينين عمل مراجعة شاملة ودقيقة للواقع واتخاذ قرارات جريئة على مستوى إنهاء الانقسام ومقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المشروعة .

كذلك واجب علينا كفلسطينين إجبار العالم بأسره لإعادة النظر بواقعنا المرير، فوباء الكورونا الذي يهدد العالم بالموت لا يختلف كثير عن وباء الاحتلال الذي يهدد الشعب الفلسطيني بالموت منذ أكثر من سبعين عاما .وباء كورونا الذي فرض حظر التجول على العالم أجمع لا يختلف كثيرا عن سياسات الاحتلال في تقييد الحركة ويذكرنا بالاف الأسرى المعتقلين ظلما ومنهم من قضى ويقضي عقودا طويلة خلف قضبان الأسر، وباء كورونا والذي يجمع معظم المحللين أنه نتاج مؤامرة ومصالح لبعض القوى لا يختلف كثيرا عن الاحتلال الاسرائيلي الذي نتج عن مؤامرة صهيونية بدأت علنا منذ عام 1897 وتجسدت فعلا منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917 دون أي حق أو سند قانوي أو تاريخي.

نعم لقد أخطأ العالم كثيرا وأذنب بحق الانسانية فوجه الثروات لصناعة السلاح عوضا عن توفير العلاج والمستشفيات وتحسين جودة التعليم وتطوير العمل الخيري ، ومول الجماعات الارهابية لتدمير دول عامرة بدلا من الاستثمار بهذه الدول وتنميتها . أجج الصراعات لاجل مصالح اقتصادية بدلا من بناء شراكات عالمية لخدمة البشرية مئات من الاطفال يقتلون يوميا جياعا او بدم بارد او هروبا من واقعهم . نعم إنه عالم فاسد ومفسد حابى الظلم فعمت الظلمات وانتشرت .

اذا كان هذا الوباء نتاج مؤامرة وأهداف استراتيجية لبعض القوى الاستعمارية فهو جزء من هذا السلوك المتطرف الذي نتحدث عنه وإن لم يكن فهو نتيجة طبيعية لهذا السلوك وبكلا الحالتين لا بد ان يكون محطة للمراجعة وإعادة رسم المستقبل واستنهاض المظلومين والمستضعفين للانتصار على هذا الواقع .

على المستوى الفلسطيني فإن استمرار الانقسام جريمة لا تغتفر، وتمادي الاحتلال في جرائمه حتى في زمن الكورونا يشكل ارهاب دولة منتظما، واستمرار العرب في خلافاتهم وحروبهم مع بعضهم البعض وتمويل من يقتل أطفالهم كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أما على المستوى الدولي فإن الصمت العالمي والعجز الدولي في فرض احترام حقوق الانسان وقرارات الشرعية الدولية والوقوف موقف المتفرج اتجاه الجرائم والانتهاكات للقوانين الدولية امر تجاوز كل الحدود .

أن الواقع الذي نعيشه في ظل انتشار وباء كورونا يخاطب كل فرد وأسرة في هذا العالم بشأن دورهم الإنساني والأخلاقي ويذكرهم بقول الشاعر إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ويخاطب التحالفات والمنظمات الاقليمية والدولية التي تم تأسيسها ابتداء بهيئة الأمم المتحدة مرورا بكل المنظمات وعلى سبيل المثال لا الحصر الاتحاد الاوروبي ومنظمة التعاون الاسلامي والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية فعلى تلك المنظمات نفض الغبار عن ملفاتها ومراجعة مواثيق تأسيسها لإعادة توجيه البوصلة بشكل صحيح بعد انحرافها ، وعلى الشعوب أن تنتفض دفاعا عن حقوقها وكرامتها وعلى حكماء وعلماء هذا العالم أن يوحدوا جهودهم وإمكانيتهم لصناعة التغيير سواء على مستوى الواقع أو على مستوى الأجيال الناشئة .

وباء الكورونا يجب ان يكون محطة للمراجعة الشاملة على مستوى البشرية جمعاء، وعلى العالم أجمع ان ينتصر للسلام على حساب الحرب وان يتوحد لاجل القضايا والقيم الانسانية بدلا من تدمير البشرية وأن يساعد في تنمية الدول النامية بدلا من إفقارها وسلب مواردها وكذلك الاستثمار بما ينمي المجتمعات وينهض بها بدلا من الاستثمار بما يفتك بالأطفال والأبرياء.

حينها سيكون العالم فعلا انتصر على وباء كورونا والاوبئة جميعها.