رمضان ينكأ آلام عائلة الأسير المريض يوسف حمدان الغائب منذ 17 عاماً

جنين- "القدس" دوت كوم- علي سمودي- في كل عام، يمر شهر رمضان المبارك على الشابة نورا كريمة الأسير المريض يوسف عطا ذياب حمدان (49 عاماً) من مدينة جنين، حزين بغيابه، إذ فتح رمضان هذا العام مجدداً ألم غياب الوالد المستمر منذ 17 عاماً، وينكأ آلام حرمان نورا من والدها في جميع مناسباتها السعيدة.

أصعب اللحظات بالنسبة لنورا حرمان الاحتلال الإسرائيلي لها من والدها في يوم زفافها، الذي تحول إلى حزن ودموع، ثم أصبحت أماً ورزقت بطلفين، وما زال الاحتلال يحرم والدها من رؤيتهما إلا عن طريق الصور، فمتى سيعود أبي؟"، تقول نورا لـ"القدس".

رمضان بلا حياة في غياب الوالد وكورونا يفاقم المعاناة

يشتد حزن نورا وعائلتها خلال رمضان دون حضور والدها، حيث تقول: "في جميع لحظات عمري ومناسباتي لم نعرف طعم السعادة والفرح، وقيود السجان تحُول دون عناق والدي ومشاركته أهم وأجمل اللحظات في حياتنا، إنني أشتاق دوماً لوالدي وافتقده، كنت أتمنى أن يكون معي عندما نجحت في الثانوية العامة وتخرجت من الجامعة ولم يكن معنا".

في هذه الأيام، تخيم أجواء الحزن على حياة أبناء الأسير يوسف الخمسة، أكبرهم نورا (26 عاماً) وأصغرهم عطا (16 عاماً) الذي كان بعمر شهرين لدى اعتقال والده، وحرم من زيارته حتى أصبح بعمر 3 سنوات.

يقول عطا لـ"القدس": "لم أعرف معنى السعادة في رمضان، ولم نعيش كباقي الناس، حياتنا لحظات قاسية على مدار أيام الشهر الفضيل، وكل الآباء يجتمعون مع الأبناء وأسرهم، بينما لم أعرف والدي إلا أسيراً، وخلف قضبان السجون، وقد حرمت عناقه، ولم أنم في حضنه يوماً، فقد سرق الاحتلال حياتنا وطفولتنا وكتب علينا الوجع والعذاب، بالرغم من تضحيات والدتي ووقوفها لجانبنا وتربيتنا وإكمال المشوار مع أعمامي وعائلة أبي، لكن لا يمكن لأحد أن يعوضنا غياب أبي، إن غيابه نغص حياتنا، فإلى متى يبقى الاحتلال يتحكم بحياتنا ويحرمني والدي؟".

زوجة يوسف (أُم محمد)، التي تحملت المسؤولية وتابعت مشوارها مع أبنائها، وقسمت حياتها بين زوجها وتربية أبنائها وتعليمهم، واجهتها الكثير من التحديات والصعاب، تقول لـ"القدس": "لكن رب العالمين كرمني بالصبر والقوة لمواصلة مسيرتي وتربية ورعاية أبنائنا مثلما يحب ويتمنى والدهم، على رغم حزننا وألمنا المستمر".

في هذه الأيام، لا تخفي (أم محمد) حزنها وقلقها الكبيرين، وهي تعيش لحظات صعبة من تهديد فيروس "كورونا" حياة الأسرى الذين يستقبلون رمضان بكل صنوف الوجع، "فراق الأهل، منع الزيارات، والإهمال الكبير من الاحتلال".

تتمنى (أم محمد) أن يكون شهر رمضان لهذا العام الأخير ليوسف بعيداً عن عائلته، "فقد كبر الأبناء وينتظرون مثلي عودته، وأشعر دوماً أن رب العالمين معنا، وسيكرمنا بحريته التي نأمل أن تتحقق في العيد المقبل".

يوسف ومشواره النضالي

تنحدر عائلة الأسير يوسف من مدينة جنين، لكنه ولد ونشأ وتربى في المملكة العربية السعودية التي عاشت فيها عائلته لسنوات بكنف والده خلال عمله هناك، حتى عادت العائلة إلى أرض الوطن بالتزامن مع انتفاضة الحجر، فلم يتأخر يوسف عن النضال ومقاومة الاحتلال الذي اعتقله بعمر 17 عاماً في عام 1989، لقد تميز يوسف دوماً بروحه الوطنية وحبه لوطنه، يوضح محمود شقيق يوسف لـ"القدس".

بعد تحرره من سجون الاحتلال عاد يوسف لمواصلة مسيرة النضال، فاعتقل للمرة الثانية عام 1991، وقضى فترة بسجون الاحتلال حتى أفرج عنه، عمل بعدها في عدة مهن حتى تمكن من تأسيس نفسه، ثم تزوج ورزق بالأبناء الذين غمرهم بمحبته، فقد كان صاحب قلب كبير وحنون، كما يصفه شقيقه محمود.

على رغم حبه لعائلته ومسؤولياته الأُسرية ومواظبته على عمله كسائق عمومي، لم يتردد يوسف عن تأدية واجبه النضالي على طريقته السرية الخاصة حتى اكتشفه الاحتلال، حيث لم تلاحظ عائلته اهتمامه وانتماءه لأي حزب، لكن عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، تبين أنه سلك طريق النضال بشكل سري مع رفاقه بمقاومة الاحتلال لحين اعتقاله في عملية خاصة في السابع من آب 2003، ولم تعلم العائلة بدوره النضالي إلا حينما احتجز في زنازين التحقيق لفترة طويلة، والتي تعرض خلالها للتعذيب والعزل حتى حوكم بالسجن المؤبد مرتين، بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي والضلوع بعمليات لجناحها العسكري "سرايا القدس".

مكابدة الحياة والوصول نحو الهدف رغم الألم

الحكم بالسجن المؤبد لم ينل من عزيمة يوسف ومعنوياته، فأكمل دراسته الجامعية في سجون الاحتلال، ولكن بعد فترة تدهورت أوضاعه الصحية بسبب ظروف التحقيق والاعتقال والعزل التي مر بها، فيما كان يوسف قبل اعقتاله بعامين من أمراض الروماتزم وهشاشة تاعظام وتاغضروف في قدمه اليمنى، ولازمته في اعتقاله.

يقول شقيقه: "كنت أتابع حالة يوسف الصحية لدى الأطباء وكان يعيش على الأدوية، لكن مرحلة التحقيق أثرت على صحته حتى أصبح غير قادر على النوم، وبعد مماطلة وتسويف جرى عرض شقيقي على الأطباء الذين أقرّوا بحاجته لإجراء عملية جراحية فوراً، لإزالة الغضروف منقدمه اليمنى، لكن إدارة السجن تماطل وتتعمد تأجيلها، بعدها توجهنا إلى عدة مؤسسات، لكن الاحتلال ما زال يرفض علاجه".

خلال اعتقاله، توفيت والدة يوسف التي واظبت على زيارته حتى تدهورت حالتها الصحية ورحلت وهي تردد اسمه، يقول شقيقه محمود: "عاشت والدتي حزينة وتبكي غيابه، لم تدخل الفرحة حياتها منذ اعتقاله، حتى عندما تزوج عدد من أبنائها وبناتها، ذرفت الدموع وحرّمت الفرح حتى تعانقه".

ويتابع: "تعرضت والدتي لانتكاسة صحية بعدما أصيبت بمرض التليف بالرئتين، ولم تتمكن من زيارة يوسف على مدار عامين، وتوفيت حزينة بعدما حرمت من رؤيته ووداعه".