موسم الأجبان بالأغوار ينجو من "كورونا" وسيف الاحتكار

نابلس- "القدس" دوت كوم- غسان الكتوت- بدأ قطاع الاجبان في الاغوار يستعيد عافيته، بعد أن وصل الى شفير الهاوية مع تدني أسعاره الى مستويات قياسية بداية الموسم الحالي، نتيجة أزمة وباء كورونا التي أصابت معظم القطاعات الاقتصادية بالشلل.

وتضم الاغوار 65% من قطعان الماشية بالضفة الغربية، أي حوالي 80 الف رأس غنم، تنتج نحو 20 طنا من الاجبان يوميا.

عبد الرحيم حسين بشارات، وهو أحد مربي الثروة الحيوانية في منطقة الحديدية بالاغوار الشمالية، وعضو إداري باتحاد المزارعين، كان أول من طرق جدران الخزان، وبادر للتواصل مع جمعية الاغاثة الزراعية طلباً لمساعدتها في الحفاظ على أسعار الاجبان من الانهيار، ومواجهة محاولات استغلال المزارعين من بعض التجار.

وقال بشارات: "نعتمد في مناطق الاغوار الشمالية على تربية الثروة الحيوانية، واعتمادنا الاقتصادي كل عام يقوم على موسمين مهمين، هما موسم الاضاحي وموسم الاجبان".

وأوضح أنه في ظل أزمة كورونا حاول بعض التجار احتكار أجبان الاغوار، وبعد أن كانوا يحصلون عليها سابقا بسعر 15 و 16 شيكل للكيلو، هبطوا بالسعر هذا الموسم الى 10 شواكل متذرعين بانخفاض الطلب.

وقال بشارات: "تواصلت مع الاغاثة الزراعية، وعرضت عليها المشكلة، وهبّت بدورها لمساعدتنا في تسويق انتاجنا، وخلال أيام قليلة، عاد التجار ليعرضوا علينا شراء الاجبان بنفس سعر الاغاثة الزراعية".

ويورد مزارعو الاغوار انتاجهم حاليا للاغاثة الزراعية ولاتحاد المزارعين، الى جانب التجار، ويقول بشارات: "لا نريد ان نعتمد على التجار وحدهم، حتى لا يعودوا لاستغلالنا مجدداً".

وأشار الى أنه كان لدى المزارعين تجربة سابقة مشابهة، ففي عام 2002 بينما كانت الضفة تئن تحت الاجتياجات، لجأ بعض التجار لشراء كميات الاجبان بسعر بخس، وقاموا بغلْيها وبيعها بأعلى الاسعار.

ولفت الى ان مشكلة تدني الاسعار عادة ما تواجههم في فصل الصيف، لكن في هذا العام داهمتهم في عز الموسم الذي ينتظرونه، في حين أن هذه المشكلة تكون أخف وطأة في الصيف.

وأكد أن مشكلة الاحتكار تزيد من الضغوط التي يتعرض لها مربو الثروة الحيوانية في الاغوار، والتي تضاف الى ما يتعرضون له من مضايقات الاحتلال واغلاق المراعي وهجمات المستوطنين، بالاضافة الى الضرائب على الاعلاف وقلة الادوية البيطرية.

وأكد أن المساعدة التي تلقوها من الاغاثة الزراعية لا تكمن أهميتها في رفع الأسعار فقط، بل في دعم صمود المزارع على أرضه، وقال: "لو تركتنا الاغاثة للتجار لاضطر المزارع لبيع أغنامه والرحيل عن الاغوار".

وتعتبر شهور الربيع موسم الأجبان، بسبب اعتماد المواشي بشكل كامل على المراعي الخضراء وعدم استخدام العلف الصناعي، خاصة في منطقة الاغوار الشمالية. ولهذا تلجأ الكثير من العائلات لتخزين الاجبان في هذه الفترة نظرا لجودتها العالية.

وترتفع أسعار الاجبان في هذه الفترة من السنة بسبب زيادة الطلب عليها للتخزين.

الاغاثة الزراعية تتدخل

وتعمل الاغاثة الزراعية مع مزارعي الاغوار بشكل دائم في مجالات التدريب وبناء القدرات، ومن هنا جاء تدخل الاغاثة لانقاذ موسم الاجبان، كما يقول المدير العام للاغاثة الزراعية منجد ابو جيش.

وقال أبو جيش أن شكاوى عديدة وصلتهم من منتجي الاجبان مع بداية الموسم الحالي، بأن بعض التجار يعرضون عليهم شراء كيلو الجبن بسعر 10 شيكل، في حين أن الاسعار في هذا الوقت من السنة تصل الى حدود 20 شيكلا.

وبدورها، وجهت الاغاثة مناشدة لوزارتي الاقتصاد والزراعة لانقاذ قطاع الاجبان، لكن مع توالي وصول شكاوى المزارعين، بادرت الاغاثة لعقد اجتماع مع فروعها عبر تقنية "السكايب"، لمناقشة المشكلة وسبل معالجتها.

وقال: "اتخذنا قرارا بالتدخل لانقاذ هذا القطاع، بالاستفادة من الخبرة التي نمتلكها بتسويق الأجبان في السنوات السابقة، وأعلنا عبر صفحتنا عن استعدادنا لتوريد الأجبان للمستهلك مباشرة بسعر 16 شيكلا".

ومع بدء توريد الاجبان للمحافظات، بدأت أسعار الاجبان ترتفع لتجار الجملة، الى ان وصلت الى 15-16 شيكلا، وهو سعر عادل للتاجر والمزارع والمستهلك على حد سواء، وهو ما يعني ارتفاع عوائد الاجبان بمعدل 100 الف شيكل يوميا لصالح المزارعين.

وأضاف: "نجحت الحملة بتوجيه رسالة للتجار المستغلين، انه لا مجال للاستفراد بالمزارعين".

وقال، ان الحملة حققت هدفها الاساسي برفع السعر، واستفاد منها 150 مزارعا بشكل مباشر.

ويشدد أبو جيش على أن تدخّل الاغاثة الزراعية بموضوع الاجبان في الاغوار يهدف لحماية المزارع ومساعدته على الصمود في تلك المنطقة المهددة بالاستيطان وخطر الضم، ليبقى المزارع قادرا على العمل والبقاء.

كسر الاحتكار

ورغم إجراءات تقييد الحركة في الضفة الغربية، تقوم طواقم الاغاثة الزراعية بايصال طلبيات الاجبان الى المحافظات، متخذين كافة اجراءات الوقاية، بعد حصولهم على تصاريح التنقل من وزارة الزراعة.

ويقول منسق الحملة في الاغاثة الزراعية المهندس رامي عبية، أن الانخفاض الحاد بأسعار الاجبان يعود الى وباء كورونا.

وأوضح أن الظرف العام الذي أوجده كورونا يسمح بالاحتكار، حيث يحاول بعض التجار شراء فائض الانتاج بسعر منخفض، وتخزين الجبن بعد غليه لبيعه لاحقا بسعر مرتفع.

وأشار الى ان المزارعين كانوا في مثل هذا الوقت من العام الماضي يبيعون الجبن بسعر 18-20 شيكلا، لكن مع أزمة كورونا وعدم خروج الناس للأسواق، تكدست الكميات عند المزارعين، وعرض التجار شراء الكميات بسعر 10 شيكل للكيلو.

ويوضح عبية أن الجبن في هذا الوقت يكون ذا جودة عالية، من ناحية الطعم والقيمة الغذائية، وارتفاع نسبة المواد الصلبة وبالتالي انخفاض نسبة الفاقد، بينما يكون الجبن أقل جودة في شهور الصيف، كما أن لجوء الكثيرين لتخزين كميات كبيرة في الربيع يؤدي لتقليل الطلب في الصيف، مشيرا الى ان مناشدات وصلت للاغاثة بالتدخل من أكثر من موقع بالاغوار، خاصة مناطق عاطوف والرأس الاحمر والاغوار الشمالية والعوجا، بسبب تجربتها السابقة في تسويق الاجبان.

وتم الاتفاق مع المزارعين على شراء الجبن منهم بسعر 15 شيكلا للكيلو، وايصاله للمستهلك بسعر 16 شيكلا، بحيث يذهب شيكل واحد لتغطية تكاليف النقل والتعبئة والتغليف، خاصة وأنه تم اعتماد تعبئة الجبن في كراتين لتجنب إعادة الاوعية البلاستيكية.

وأوضح أنه تم الطلب من مدراء فروع الاغاثة بالمحافظات استقبال طلبات المستهلكين، وحجز الكميات المطلوبة.

وقال: "بدأنا بالتعميم على الاهل والاقارب ثم الاصدقاء والمعارف، الى ان انتشرت الحملة على نطاق واسع وازداد الطلب بشكل فاق التوقعات".

وأضاف: "وضعنا برنامجا لتغطية طلبات كل محافظة، وتم حتى الان تسويق 4 أطنان، في حين ان الكميات المطلوبة تصل الى 11 طنا، ونحاول الان الموازنة بين طلبات المحافظات والكميات المتوفرة".

وكانت التقديرات بأن تسويق 10-15 طنا من الاجبان يمكن ان يكون له تأثير ملموس في الاسعار.

وقال: "بدأنا بعاطوف والرأس الاحمر، وعند إطلاق الحملة توقعنا ان يكون الطلب قليلا، لكننا تفاجأنا بأن الطلب وصل خلال 3 ايام الى 9 أطنان، فتوجهنا للمزارعين في مناطق الاغوار الشمالية، مثل عين البيضا وبردلا والجوبية والحمّة، ووضعنا عنوانا لكل موقع ليكون مركزا لمزارعي المنطقة".

وأشار الى أن الطلب ازداد على المزارعين، لدرجة انهم طلبوا منحهم مهلة لتوفير الكميات المطلوبة.

وبسبب إجراءات تقييد حركة المواطنين، تقوم طواقم الاغاثة بايصال الطلبيات للمجالس القروية او الجمعيات التعاونية او النوادي الرياضية، والاتصال بالمستهلكين للوصول لاستلام طلبياتهم.

ويؤكد عبية أن الحملة شكلت درعاً واقياً للمزارع من جشع بعض التجار، الذين شعروا بدورهم ان هناك مؤسسة تساعد المزارع في تسويق انتاجه".

عقبات كورونا

وأشار عبية الى ان الحملة تواجه صعوبات سببها قيود الحركة، رغم حيازتهم لتصاريح التنقل عبر حواجز الامن، فالجبن مادة غذائية سريعة التلف وهي بحاجة الى سرعة التوصيل.

ويقول عبية: "نحن نخاطر بصحتنا بسبب تنقلنا الكثير واختلاطنا بالناس، ولذلك نلتزم باللبس الواقي، ونقوم بتعقيم المركبات والنقود، ونحرص على ان لا نكون مصدراً لنشر الفايروس".

ولا يتم شراء الجبن الا من المزارعين الذين لديهم شهادة تطعيم ضد الحمى المالطية من وزارة الزراعة، من أجل الحفاظ على صحة المستهلك.

ويبين عبية أن توزيع فائض الانتاج في وسط وجنوب الضفة، يساعد في تصريف الفائض، ويحافظ على الاسعار، وهو ما ينعكس على جميع المزارعين حتى اولائك غير المشتركين بالحملة، كما يمكن المستهلك في جنوب الضفة من الحصول على الجبن بسعر 16 شيكلا بدل 25 شيكلا.