حياة قاسية وحقوق مسلوبة لأطفال فلسطين في ذكرى يوم الطفل الفلسطيني

بقلم:المحامي علي ابوهلال*

في الخامس من شهر نساء الجاري تحيي فلسطين ذكرى يوم الطفل الفلسطيني، وأصبح هذا التاريخ مناسبة سنوية منذ يوم الخامس من نيسان عام 1995، الذي عقد فيه مؤتمر الطفل الفلسطيني الأول، وأكد فيه الرئيس الراحل ياسر عرفات التزامه باتفاقية حقوق الطفل الدولية، وأعلن منذ ذلك الوقت اعتبار الخامس من نيسان من كل عام يوما للطفل الفلسطيني، علما أن فلسطين قد صادقت على اتفاقية حقوق الطفل الدولية في 2 نيسان 2014م.

يذكر أنه في عام 1954 دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تحديد يوم عالمي للطفل، وبعد عدة أعوام تم الإعلان عن حقوق الطفل، وتوثيقه في 20 نوفمبر عام 1989 بتوقيع 192 دولة اتفاقية حقوق الطفل.

وفي 20 تشرين الثاني من كل عام تحتفل دول العالم بيوم الطفل العالمي لتعزيز الترابط الدولي، والتوعية بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، وتحسين رفاه الأطفال. وأصبح 20 نوفمبر هو يوم هام لأنه يوافق تاريخ ذات اليوم عام 1959 عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل. وهو أيضا تاريخ عام 1989 عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل، ومنذ عام 1990، يصادف اليوم العالمي للطفل الذكرى السنوية لتاريخ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان والاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل.

وفي فلسطين يحيي الفلسطينيون يوم الطفل الفلسطيني في الخامس من شهر نيسان في كل عام، وتنظم العديد من الفعاليات والنشاطات الترفيهية والثقافية والتربوية والرياضية والإعلامية، بهدف مناصرة أطفال فلسطين ودعم حقوقهم المختلفة.

يبلغ عدد أطفال فلسطين نصف عدد سكان الفلسطينيين حسب جهاز الإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد الأطفال في العمر أقل من 18 سنة 2,115,370 طفل في دولة فلسطين حسب النتائج النهائية للتعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت لسنة 2017، منهم 1,083,720 ذكرا و1,031,650 أنثى، حيث تشكل نسبة الأطفال في فلسطين 45.3% من السكان، بواقع 43.4% في الضفة الغربية و48.0% في قطاع غزة.

تأتي ذكرى يوم الطفل الفلسطيني هذا العام وأطفال فلسطين وأطفال العالم يعيشون في ظروف عصيبة بسبب تفشي وانتشار فيروس "كورونا" الذين أصبح يهدد حياة الأطفال وحياة البشر في كل أنحاء العالم.

أطفال فلسطين لا يزالون يعانون من معاناة قاسية ومكثفة، بسبب افتقادهم لأبسط حقوق التمتع بطفولتهم البريئة وحقهم في الحياة، جراء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحقهم، فإسرائيل تضرب بعرض الحائط بكافة المواثيق والأعراف الدولية، حيث تستهدفهم بالقتل والاعتقال والبطش والتنكيل والقمع بمختلف الأشكال غير الانسانية، والحرمان من أبسط الحقوق، ونشير في هذا الصدد لحادثة قتل الطفل محمد الدرة في قطاع غزة، وحادثة خطف المستوطنين الإسرائيليين للطفل المقدسي محمد أبو خضير، إضافة إلى حرق الأطفال الرضع وهم نيام على أيدي المستوطنين، كما حدث مع سعد دوابشة وعائلته في قرية دوما.

تؤكد المؤسسات الفلسطينية المعنية بشؤون الأسرى والمعتقلين أن سلطات الاحتلال الاسرائيلي تواصل احتجاز قرابة 200 طفل وقاصر موزعين على معتقلات عوفر ومجدو والدامون التي تفتقر للحد الأدنى من المقومات الإنسانية، ويتعرضون لأساليب تعذيب ومعاملة تمسّ بالكرامة ومنافية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وتذكر هذه المؤسسات أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت منذ العام 2000 ما لا يقل عن 17000 قاصر فلسطيني، تتراوح أعمارهم ما بين (12-18) عاماً، وسُجّلت العديد من حالات الاعتقال والاحتجاز لأطفال لم تتجاوز أعمارهم العشر سنوات. وأن نحو ثلاثة أرباعهم تعرضوا لشكل من أشكال التعذيب الجسدي، فيما تعرّض جميع المعتقلين للتعذيب النفسي خلال مراحل الاعتقال المختلفة، وذلك بحسب آخر الإحصاءات والشهادات الموثقة للمعتقلين الأطفال.

وفي القدس تعتبر نسبة اعتقال القاصرين المقدسيين هي الأعلى، حيث يعتقل العشرات منهم يوميا ويتم احتجازهم بشكل غير قانوني، وتقوم سلطات الاحتلال بفرض سياسة الحبس المنزلي بحقهم، وتقوم بإبعادهم عن القدس، وفرض الغرامات المالية الباهظة عليهم. ويذكر أن استهداف الأطفال المقدسيين يعتبر جزءا من سياسة الاحتلال الرامية لتهويد مدينة القدس المحتلة وعزلها عن بقية المحافظات الفلسطينية، وتندرج في إطار السياسة الإسرائيلية التي تستهدف ضرب وتصفية الوجود الفلسطيني في المدينة، وتغيير طابعها وهوينها العربية والفلسطينية.

ويتعرض الاطفال وباقي المعتقلين والأسرى في السجون والمعتقلات الإسرائيلية إلى خطر حقيقي، في ظل انتشار فايروس “كورونا"، وتزداد المخاوف لدى الأسرى وذويهم بعد الإعلان عن إصابة عدد من السجانين، وأحد الأسرى المفرج عنهم من معتقل عوفر قبل أيام بالفيروس، وعزل عدد آخر من الأسرى بعد الاشتباه بإصابتهم بهذا الفيروس الخطير، الأمر الذي يهدد حياة الأسرى وخصوصا الأطفال، والأسيرات، وكبار السن والمرضى.

وفي هذا الصدد نؤكد على أهمية توسيع الحراك الجاري محليا وإقليما ودوليا، وخاصة التحرك المتواصل للتحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين، لتعبئة وحشد الرأي العام العالمي لمطالبة هيئات الأمم المتحدة، والمؤسسات الحقوقية والرسمية والأهلية للضغط على سلطات الاحتلال للإفراج عن الأسرى وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى، دون إبطاء أو مماطلة عملا بكل المواثيق الدولية التي تنص على ذلك بشكل واضح زمن الأوبئة والأمراض، وحسب اتفاقياته حماية الطفل وكافة الجهات ذات العلاقة.

وندعو كافة المؤسسات الحقوقية الدولية، بما فيها الأمين العام للأمم المتحدة، ومنظمة الصليب الأحمر الدولي، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" ومنظمة العفو الدولية للتحرك السريع والعاجل من أجل إنقاذ حياة الأسرى، ولا سيما الأطفال منهم، والقيام بإرسال لجان طبية متخصصة لزيارة السجون والمعتقلات الإسرائيلية، للإطلاع على حقيقة الأوضاع الصحية للأسرى، وتأمين إجراء الفحص الطبي اللازم لهم، وضمان اتخاذ كل الخطوات والاجراءات الوقائية الطبية اللازمة لحمايتهم، ووقف كل العقوبات المتخذة بحقهم وفي المقدمة الاطفال الاسرى.

وبمناسبة يوم الطفل الفلسطيني ندعو المجتمع الدولي الوفاء بواجباته والتزاماته القانونية والأخلاقية تجاه الطفل الفلسطيني، وذلك بموجب اتفاقية حقوق الطفل وقواعد القانون الدولي، والتدخل لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة بحقه، خاصة إن هذا اليوم يأتي في ظل تصاعد انتهاكات الاحتلال لحقوق الطفل الفلسطيني، واستمرار وتصاعد حملات الاعتقالات والترهيب بحقهم.

وعلى الرغم من أن إسرائيل "السلطة القائمة بالاحتلال" طرفا في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لعام 1989، إلا أنها تواصل تحللها من التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، ولاسيما الإتفاقية الدولية لحقوق الطفل والبروتوكول الإضافي الملحق بها، والخاص بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة، ما يجعلها تتحمل المسؤولية الدولية. وتواصل سلطات الاحتلال انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الطفل الفلسطيني، غير مكترثة بالتزاماتها ومسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الأطفال الفلسطينيين، كما تنص عليه الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وقواعد القانون الدولي الإنساني، ومبادئ حقوق الانسان، الأمر الذي يتطلب من المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية الدولية إلى التحرك العاجل من أجل وقف هذه الإنتهاكات ووضع حد لها، والعمل من أجل مساءلة إسرائيل " السلطة القائمة بالاحتلال" حتى لا تفلت من العقاب.

*محام ومحاضر جامعي في القانون الدولي.