خارطة طريق لما بعد كورونا

بقلم: أيمن هزاع المجالي

إذ نتحدث راهناً، كثيراً في مجالسنا وفضائنا الاجتماعي والإعلامي باعتبار ما يحدث في وطننا الغالي ما هو إلّا شكل لحالة "إدارة أزمة"، فإن ما يجب أن يُقرن بهذا الحديث المسؤول من النخب والجمهور، التطلّع لما بعد المرحلة التي ستلي التخلص من وباء كورونا.

والبناء والاستعداد للمقبل من الأيام، وهي بلا شك أيام ستكون صعبة على جميع الدول، ومنها الأردن، وبلدُنا يستحق منّا جميعاً الحديث بعقلانية، وآفاق تتسع لرؤية المخاطر، كما أنها ترى الانجاز وتعظمه وتحتفي به.

لقد كشفت أزمة كورونا عن عميق المسؤولية لدى البعض، وعن قدرات كامنة في قطاعات الدولة المختلفة، وعن رأسمال المال الوطني وهو يكمن في عاملي الخبرة والمورد البشري المتعلم والمدرب، والذي كان سببه تعليم الأردنيين الذي استثمروا به عبر عقود، وسعت الدولة إلى الاستثمار به إلى أبعد مدى، باعتبار المورد البشري، نفط المستقبل ودرع الوطن ومصدر قوته.

وهكذا لدينا اليوم بُنية عميقة في التعليم، انتجت اليوم آلاف الاطباء وجيشا من الممرضين والمساعدين، في الخدمات الطبية الملكية ووزارة الصحة والقطاع الخاص، وهناك رصيد هائل من العقول الهندسية، وفي قطاع المصارف وتكنولوجيا المعلومات التي اثبتت أنها جيش آخر في هذا الزمن الرقمي الذي يداهمنا في كل أوجه حياتنا وبأعلى درجات التقدم التكنولوجي الايجابي حيناً والمتوحش حيناً آخر.



نعم، قبل قرن كانت مدارس الأردن محدودة، ولا تتجاوز العشرين مدرسة، واليوم لدينا سبعة آلاف مدرسة وربما أكثر، ونحو (40) جامعة وكلية جامعية، ولدينا خبرات وطنية في كافة القطاعات هي مصدر فخرنا واعتزاز قيادتنا بهذا الشعب العظيم.

لقد بني الانجاز الاردني في أزمنة صعبة، ولم يكن لدينا اريحية، بل كان الأردن دوماً في عين الأعاصير، وكان للاشقاء العرب دور في دعم الاردن اقتصاديا وكذلك الدول الصديقة، بفضل دبلوماسية القيادة الهاشمية وحضورها العالمي الفذ.

اليوم ربما يكون التحدي أكبر من قبل، فالعالم كله موبوء يواجه تحديات وباء كورونا، والدول تصرف من احتياطياتها المالية، والبنك الدولي يحذر من ركود عظيم يتجاوز تأثير الأزمة المالية العالمية بين عامي 1929-1934م.

وهناك محاذير كبيرة في الاستمرار بحصر المواجهة مع فيروس كورونا فقط، أو اجراء التدابير الوقائية، وهي على أهميتها، إلا أنها لن تكون الطريق البديل للخروج من الازمة بتعاف شامل، وهنا مكمن الداء وهو استعادة فاعلية اقتصاد الدولة.

يعلم الجميع أن اقتصادنا الاردني محدود الموارد، ويعمتد على اقتصاد الخدمات، ومنه قطاع السياحة والنقل والصحة، وهذه كلها باتت تعاني بل في حالة توقف في ظل اجراءات الوضع الراهن، فقطاعا النقل والسياحة باتا معطلين، بالاضافة للمصارف والصناعات الصغيرة، وغيرها من القطاعات الأخرى المتضررة، وهنا يبدو من المهم التفكير باقتراح حلول فاعلة وسريعة لاستعادة عجلة الانتاج.

لا نقول ذلك دفاعاً عن قطاع بعينه، بل لأن كيانية الدولة الاقتصادية تحتاج منّا للتفكير بصوت عال وحسّ وطني، لكي نبقى قادرين على مواجهة التحديات، التي اعتادتها دولتنا سابقاً، لكن تلك التحديات وإن كانت اقليمية ونتيجة لعوامل عدم الاستقرار في الإقليم، هي مختلفة عن ازمتنا الراهنة التي ما نحن بها إلا جزء من منظومة عالمية متكاملة، تعاني أكثر منّا، وباتت دول كبرى في حالة صعبة وتصرف من احتياطياتها المالية.

اما الحديث عن الغذاء، فهو عنصر مهم كشفته الأزمة، وإن الأهمية في الغذاء ليست في توفر المخزون الاستراتيجي وحسب، بل في خلق الامدادت الثابتة وضمانها. ولدى الاردن منطقة وادي الأردن والمناطق الشرقية في البادية، التي يجب دفعها ودعمها، فالتقارير الاجنبية سنة 1949 بينت أن وادي الاردن هو سلة متكاملة. هذا كله يجب الانتباه إليه مع الاستمرار في الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا الرقمية والهندسة الرزاعية لمحاصيل متنوعة في اوقات مختلفة.



والسؤال اليوم، كيف وما هي سبل انعاش الاقتصاد الوطني؟ وما هي القطاعات التي يمكن البدء بها؟ وعلى أي اساس سوف تتعامل الحكومة مع نقص الإيرادات المالية للخزينة، وكيف نوظف الدعم والتبرعات التي وصلتها؟

وفي الإجابة على ذلك، يمكن القول أن الدولة مدعوة للتوجه للرقمنة واستخدام القوة الناعمة والاستثمار بالتكنولوجيا وامدادات الغذاء والزراعة المتنوعة، والمفروض البناء على السمعة التي اكتسبتها في مواجهة ازمة كورونا أي الاستثمار بالثقة، فالدولة برغم تفعيل قانون الدفاع إلا أنها لم تتعسف به، من حيث القرارات تجاه الاقتصاد.

لقد بات الاردن مدعواً لاستقطاب كبرى الشركات العالمية، وقد اصدر مركز مؤشر الأداء الأردني قبل بداية الأزمة وخلالها مجموعة من التوصيات يدعو فيها الحكومة إلى منح تسهيلات استثمارية للقطاعات المتعثرة، وانشاء مناطق حرة افتراضية استقطابا للشركات العالمية في ضوء تسارع آثار تباطؤ الاقتصاد العالمي، وما حققه الاردن من مكاسب في الثقة وإدارة الأزمة، وضرورة سرعة العودة للعمل ودفع عجلة الانتاج وفق ضوابط واحتياطات تضمن الحد من انتشار فيروس كورونا.



إن الكل من مفكري العالم ومراكز صنع القرار العالمية، يجمع على أننا ندخل عصراً ونظاماً عالميا جديداً بعد كورونا على صعيد الاقتصاد والعلاقات الدولية وامدادات الغذاء، وبناء على ذلك يجب أن نبادر، كي لا يفوتنا القطار.

عن "الرأي" الأردنية