خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى

الجزء الرابع...

خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى

بقلم: الدكتور عزمي بشارة

1. ما وجه الحداثة في وباء كورونا؟ لا خارطته الجينية، ولا بروتيناته وحمضه النووي، ولم يثبت ما هو وليد الحداثة في فاعليته. الفيروس جديد وليس حديثا. الحديث هو التعامل معه وإعادة إنتاجه بوصفه ظاهرة إعلامية، واجتماعية، وحتى سياسية في كل ما يتعلق بدور الدولة الذي لم يكن حاضرًا في أوبئة العصور السابقة.

2. الإعلام، البث المباشر، الإنترنت، أنتج تجانس أزمنة حول الكرة الأرضية. تعيش الناس الأحداث ذاتها في الوقت ذاته. وإن كانت لا تستوعبها بنفس الطريقة، فظهور الخبراء والمحللين والأطباء والعلماء وبيانات منظمة الصحة العالمية، وغيرها تسهم في توحيد استيعاب الظاهرة بالمصطلحات ذاتها التي تترجم إلى جميع اللغات برمشة عين.

3. تكمن "حداثة" الوباء في إنتاج تجانس الأزمنة هذا لجماعة انتماء متخيلة ضخمة هي الإنسانية. لا يعني ذلك بالضرورة أن تتولّد عن ذلك قيم أخلاقية تقوم على أسبقية الانتماء للإنسانية. فمع أن القاعدة المصطلحية لمثل هذا الأمر لم تعد محض تجريدات، فإن عوامل عديدة سوف تستمر في تحويل الاختلاف الثقافي والإثني والديني من مجرد تنوع واختلاف إلى صراعات وعداوات.

4. ثمة سلوكيات موحدة فرضها الوباء تتعلق بما أصبح معروفا بالتباعد الاجتماعي الذي أصبح مصطلحا عالميا، مثلما أصبح الجميع يتناول فوائد غسيل اليدين، ومسؤولية الفرد تجاه المجتمع ومسؤولية الدولة كأنها مواضيع عائلية، وتخوض أوساط واسعة في الشؤون العلمية المبسطة في مقابل فئات اجتماعية ما زالت تبحث عن تفسيرات غيبية؛ وأصبحت الكمامة زيا موحدا للبشرية.

5. ثمة نقدان متداخلان في الحوارات السائدة نقد الصين (والإعجاب بها) التي تسترت على الوباء بداية وقمعت من تحدث عنه (وفي الوقت ذاته لم تتفوق في مكافحته على دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة)، ونقد النيوليبرالية القائم ضمنًا في حديث الناس في كل مكان لأن الأمر متعلق بصحتهم.

فمخاطر الأوبئة، كما كتبت في خاطرة سابقة، لا تواجه إلا بسياسات صحية عمومية واستثمارات تضع صحة الإنسان فوق قوانين السوق والعرض والطلب (ويفترض أن ترفع تعليمه وشيخوخته فوقها كذلك).

فضح الوباء سياسات النيوليبرالية المعادية لدولة الرفاه الاجتماعي، هذه السياسات التي أنجبت الشعبوية اليمينية أيضا؛ كما فضحها خسارة الملايين لوظائفهم ومصادر عيشهم حالما انصاعوا لأمر الحفاظ على صحتهم ولازموا بيوتهم.

6. في مقابل أخلاقيات العدالة التي تقوم على مبادئ مجردة وفق مفكرات نسويات من نهاية القرن الماضي، طرحت بعضهن فكرة أخلاقيات العناية (care ethics).

وكان رأيي دائمًا أن هذه الأخيرة ليست بديلة للأولى بل مكملة لها. وفي مثل هذه الأوقات يسهل إدراك أهمية أخلاقيات العناية التي لا تقوم على مبادئ عامة مشتقة من قيم المساواة والحرية، بل تقوم على التعاطف وإيجاد الحلول للمشكلات العينية من منطلق الإحساس بمعاناة الآخر والتعاطف معه. الأولى ضرورية، فلا عدالة من دونها، ولكن في مثل هذه الظروف تتضح أهمية أخلاقيات العناية أيضا.

7. في زمن الكوارث يحاول مفكرون احتلال مكان في فضاء الكارثة بعناوين جاذبة مثل "حرب الخليج لم تقع" أو "اختراع وباء"، وعندما تقرأ ما لديهم تجد أنه لا جديد سوى العنوان.

8. الأخبار من جامعة بتسبيرغ وشركة كايز بيرمننت في سياتل تبدو مشجعة.

عن "عرب ٤٨"