الاختبار القادم... ومناعة التفكير

بقلم: الدكتور سعيد صبري*

هل سننجح بالاختبار، وهل سنستطيع ان نتخطى الازمات بدون اخطاء؟ سؤال يراود الجميع.

كان واضحاً منذ الإشارات الأولى لتنامي فيروس كورونا كوفيد 19 وانتشاره، أن هناك جاهزية ويقظة من مختلف مسؤولي حكومتنا، والمواطنين. أمامنا عدة دول كنماذج في البطء في التعامل مع هذا الفيروس، حتى وقوع ضحايا وإصابات بالمئات، عندها بدأوا إجراءات الحجر الصحي وتتبعوا الإجراءات الفلسطينية ، لأنها ناجحة وساهمت في حماية الناس من هذا الوباء.

لكن الدروس التي أتى بها هذا الفيروس عميقة وهامة، فقد كان بمثابة «اختبار مفاجىء» للطلبة .. فهناك منهم الكسول الذي يمتعض لأنه يحتاج لأيام للتحضير .. والمثابر النشيط المستعد دائماً. نعتبر فلسطينيا اننا من الطلبة "المثابرين" الذين بادرنا بالاجابة لذلك الاختبار المفاجىء بجاهزية عالية "صحيا" والعمل بطريقة ممنهجة نحو استقراء الامور وتسيج الوباء منعا من انتشاره فنحن شعب لا يستطيع ان يخطىء.

ما تميزنا به فلسطينيا، الاستعداد الدائم ، وهو يمثل انعكاس صحي للحالة اليومية من العمل الدؤوب والجاد والمثابرة والتجدد والاكتساب والتعلم من الثغرات والتجارب المختلفة والتعلم من التجارب المختلفة للدول القريبة والبعيدة ، من يجيدون الاستعداد للمتغيرات لا يخسرون الوقت الثمين في الذهول والصدمة والتفكير، بل يكونون على اهبة الاستعداد لاسوأ السناريوهات ولديهم تصورات مسبقة عن اداء ثابت جديدة قد تحصل بالمستقبل القريب او البعيد .

من الواضح تماما ان ادارة الازمة الحالية فلسطينيا تؤشر وبوضوح االى انه تم ادارة الجولة الحالية والتي اصفها بـ"فترة الذعر" بطريقة نموذجية ضمن الامكانيات المحدودة والوعي المحدود لدى بعض فئات المجتمع المحلي.

الدروس لم تنته بعد، ودرس فايروس كورونا درس طويل لم ولن يكون قصيرا، فالفيروس سيبقى لفترة طويلة جدا على اقل تقدير عام كامل استنادا لمعلومات علمية صحية، فهل سنبقى على اجراءات حصار والحظر الصحي على ابناء شعبنا طيلة الفترة القادمة حفاظا على المواطن الفلسطيني؟ سؤال يتناوله الكثيرون ولا احد يجد له اجابة .

تقديري ان هذا هو الاختيار الاصعب، والادق، والذي اعتبره اختبارا استراتيجيا، فبينما نحن غارقون في الالتزام بالتعليمات الصحية والتوجيهات الرسمية، يبقى الشيء الادق هو الواقع الاقتصادي في هذا الوطن الذي يحتاج الى توجيهات وتعليمات جوهرية تنقل اصحاب المشاريع القائمة الاقتصادية من الاجل المحتوم الى " مرحلة الاستشفاء" .

ينقسم القطاع الخاص إلى شريحتين: ٨٪ شركات متمرسة و ٩٢٪ شركات صغيرة وعائلية.

والشريحة الأولى هي التي تستطيع تقديم مساهمات كبيرة. أما الشركات الصغيرة والعائلية فهي تعاني من نقص بالسيولة المالية ، والتي قد تتفافم مع استمرار الاغلاق ومنع فتح المحلات ومنع التنقل بين المدن. ومع التزام اصحاب العمل من فئة المشاريع الصغيرة والريادية بابقاء العمال والموظفين يبقى التحدي قائما ولكن الى متى؟

وادراكا ان الموقف بحاجة الى تفكير جماعي مبني على وسائل علمية مراعين الجانب الصحي ومن منطلق التخطيط الاستراتيجي للمرحلة القادمة فانني ارى البدء بتشكيل لجنة اقتصادية تعمل على خلق استراتيجيات للخروج من المكان الذي نحن فيه تدريجيا متأقلمين بواقع ان هذا الفايرس موجود وسيستمر وجوده لفترة طويلة ، وفي هذا السياق اشارككم بعض الاقتراحات التي اوصي بها :

١. العمل على انشاء صندوق وطني لدعم المشاريع الصغيرة والريادية.

٢. اعادة الحياة الاقتصادية تدريجيا كل في منطقته ومدينته.

٣. السماح بتنقل البضائع فقط من والى المناطق المختلفة.

٤. الابقاء على حالة الطوارىء كما هي عليه والعمل عل تفعيل عنصر الوقاية بالوعي.

اما على الصعيد العملي العمل ضمن الاطار المقترح التالي:

- الزام جميع المنشآت والمرافق العامة بتوفير المواد المعقمة لمراجعيها والعاملين فيها .

- تقليص الطاقة الاستيعابية لوسائل النقل العام وتنظيم عمل المراكز الخدمية لضمان تحقيق ادنى متطلبات التباعد الاجتماعي .

- تقليص عدد ساعات العمل الى ٥-٦ ساعات يوميا بحد اقصى وابقاء العمل عن بعد لمن لا يتطلب عمله الحضور لمكان العمل وتفعيل نظام الورديات ان امكن ذلك .

- السماح فقط بعملية البيع المباشر والتوصيل المنظم للمطاعم.

لنكن سباقين بالتعلم من التجارب والدروس والعبر من الدول والمجتمعات التي تعاملت مبكراً مع الأزمة اقتصاديا فكانت خسائرها محدودة، وتلك التي تهاونت وتساهلت وتباطأت في اتخاذ إجراءاتها فدفعت / وستدفع الثمن غالياً جداً. من يريد أن يكون له دور في المستقبل يجب أن يعلم أن المتغيرات ستلعب أهم الأدوار في تشكيل ملامحه وليست الثوابت!

*محاضر ومستشار اقتصادي بمؤسسات دولية