شبهة السقوط من علو للفتيات بين الواقع والهواجس

بقلم: ناهد أبو طعيمة

استطاع شبح كورونا أن يقلب حياتنا رأساً على عقب، بحيث أوقف عجلة الحياة، أجبرنا على البقاء في المنزل وجعلنا نفكر بأدق التفاصيل الموجودة في حياتنا، والأهم أجبرنا على التفكير في معتقداتنا حول السلم والحرب والشرف والعائلة.

لذلك جاءت دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريس إلى وقف إطلاق النار فورا في جميع أنحاء العالم مشيراً إلى الضحايا من النزاعات وهم الأكثر ضعفاً - النساء والأطفال والأشخاص ذوو الإعاقة والمهمشون والمشردون، وهم يواجهون أيضا خطر التعرض لخسائر مدمرة بسبب فيروس كوفيد-19 .

لكن في عالمنا العربي تخيم أشباح مركبة على مخيلة وواقع الأسرة العربية المهددة بتفشي المرض وازدياد الفقر وإنما نعيش ملامح وأشكال متنوعة من الجرائم البشعة في زمن الكورونا والقاسم المشترك بينها الجهل والتخلف والبدائية.

ففي بعض بيئات المجتمع العراقي تقع المرأة تحت خطر الموت حالياً إذا أصيبت بفيروس كورونا لأن "النساء لا يُحجر عليهن" حفاظاً على شرف العائلة. فالحجر "معيب ومغاير للعادات والتقاليد التي لا تسمح للمرأة بالمبيت في أماكن غير بيتها من دون مرافق".

هذه المعلومات أكدها عضو في المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية، علي البياتي لافتاً إلى حدوث حالات رفض نقل فتيات ونساء مصابات بالفيروس إلى الحجر الصحي بحجة أن نقلهن مخل بالشرف ومعيب.

وباتجاه آخر في ليبيا زوج يذبح زوجته وهي نائمة، أب يقتل طفلته بعد أيام من التعذيب والتجويع، رجل يُردي زوجته الحامل في طفلهما الأول قتيلة بالرصاص بعد أقل من ستة أشهر على زواجهما … حصيلة جرائم العنف الأسري المعلنة في ليبيا فقط خلال أسبوع.

وعلى فضاءات التويتر والفيس بوك تئن الأردنية إيمان الخطيب في فيديو مباشر تطلب العون والمساعدة وهي إمرأة مطلقة وأم لطفل عمره 13 عاماً حكمت عليها الظروف أن تعيش مع والدتها وإخوتها "الرجال" ، ولم يحالفها الحظ كما حالف شقيقتيها اللتين وفق ما قالته استطاعتا أن تهربا من العيشة مع أهلهن.

وهناك في أكثر دولة عربية لا تعاني من محنة الكورونا لكنها مصابة بداء التخلف وحكم القبيلة في احدى القرى في اليمن الفتاة "إصباح" عمرها ١٦ سنة تعرضت للتعذيب من قِبل اخوتها الثلاثة بتحريض من الأب تم اجبارها على شرب السم وثم شنقها حتى الموت.

يا إلهي ما الذي يعطي الرجال في هذه البقعة الحق بمعاملة الفتيات بهذه الوحشية ؟ في الوقت الذي يعيش العالم أزمة كونية تقتل الأرواح والأجساد.

ولا يبدو في فلسطين المشهد مختلفا، فقد كتبت الناشطة النسوية ساما عويضة تغريدة على الفيس بوك تشير فيه إلى خبر يفيد بمصرع فتاة ١٦ عاما في قلقيلية جراء سقوط من علو في إشارة بأننا كنساء ومؤسسات حقوقية ونسوية ومنذ زمن طويل نشك في سياقات مثل هذه الأخبار بعد أن تم استخدام ذريعة السقوط من علو لتمرير جرائم بشعة بحق الفتيات وقد ضاعت الحقوق وسكت المكلفون بالعدالة. لعل وسائلنا كانت قديمة وبدائية دون طب شرعي أو معاينة مهنية لمسرح الجريمة، وذهنية كوادرنا الأمنية تتسامح مع القتل إذا غلف بالشرف، وطفح البئر بالشائعات حول النساء وقتها كل شيء مباح.

المعلومات التي بين أيدينا قليلة أو لا نملكها بالمطلق لكن جلودنا مصبوغة بالتجربة والظلم والغبن والقتل الذي طالما كان له أقنعة ووجوه مثل سقوط من علو أو انتحار، تنازل عن إجبار بالتنازل عن الحق الشخصي ، ووجوه أخري وقف القانون في حالة ارتباك دائم حولها ورضخ لها.

وآمالنا عالية اليوم بأن الشرطة في وحدات حماية الأسرة ونيابة الأسرة والمجلس الأعلى للقضاء المؤقت لديها نهج وفهم عميق بعدم السماح بتأنيث الجرم وحمايته وتغليفه بأفكار ورؤى القبيلة البدائية التي تنهي أي مظلمة للنساء بفنجان قهوة وحفنة من المال.

نأمل منهم وخاصة الشرطة تقديم المعلومات متكاملة بحيث لا تفتح مجال خصب إلى التأويل وتشيع الطمأنينة بأن كل هواجسنا القديمة الجديدة حول كل ما هو مرتبط بالنساء ليس له اليوم ما يغذيه وذلك من خلال سد كل الثقوب الفارغة في الرواية من خلال وسائل تشرح إجراءات النيابة والشرطة والتحقيقات والوقائع التي تؤكد ما ورد بما لا يخل بالتحقيقات أو بتدابير النيابة الاحترازية.

وهنا يقودنا لسؤال ما المانع من توزيع تقرير محكم ووازن على الصحافة بعد الانتهاء من إجراءات النيابة فيما يتعلق بشبهة السقوط من علو، ما المانع من مشاركة الجمهور الحقيقة من خلال سرد للوقائع وتأكيد للدوافع، ولماذا هذا الرهاب من الجمهور، حقنا بالمعرفة كيف لصبية في عمر الزهور لا تستشعر بالخطر وتسقط من على سطح المنزل دون انتباه أو وعي ما لم يقوم بدفعها شخص ما أو إجبارها على ذلك؟

قد يعتقد البعض أن هذه الإشارة ليست وقتها الأن لكنها مهمة في ظل أن تجلياتها تظهر أو يتم التكتيم عليها، أردنا أن نؤكد بأننا نضعها اليوم وكل الوقت في أول أولويتنا وهي مظلمتنا التاريخية التي سندافع عنها كل الوقت حتى تحتل صدارة الأولويات في الأزمات وفي السكينة.