العنصرية في زمن «كوفيد 19»

بقلم: محمد خالد الأزعر*

جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19»؛ التي تعولمت بوتيرة لم يعرفها تقريباً أي مرض وبائي واجهته البشرية، أقله خلال المئة عام الأخيرة، أدخلت الإسرائيليين بكافة قطاعاتهم السياسية والمدنية في لجة من الجدل والتناظر المحموم..

فحين صار المصابون منهم يعدون بالآلاف اكتشفوا أن دولتهم، التي طالما حسبوا أنها تنافس أقوى رواد العصر علمياً وتقنياً في مجال الطبابة، تفتقر إلى حد مأساوي للجهوزية اللازمة لمواجهة الجائحة ودرء أخطارها.. لقد أدركوا وجود نقص مروع في المعدات والتجهيزات والمستلزمات الطبية والحياتية ومواد التعقيم ووسائل الحماية ذات الصلة..

بل واكتشفوا أن وزارة الصحة «ليس لديها مخزن لاستقبال المعدات الطبية بما في ذلك الكمامات وأجهزة قياس الحرارة والفحص والأدوية الضرورية لمقاومة جحافل الكورونا، كما أن مستشفياتهم الحكومية والخاصة لا تحوي أقساماً تمكنها من التعامل مع ضحايا الفيروس بالكفاءة المطلوبة».

للوهلة الأولى، يتعين الاعتراف بأن مشهد الارتباك الإسرائيلي العام في غمار هذه التجربة، لا يختلف كثيراً عما لحق بأحوال معظم، إن لم يكن كل، القوى الدولية. فالمباغتة الصاعقة للوباء بطبيعته وحيثيات انتشاره وتمدده، أرهقت مجتمعات الموصوفين بالتقدم في شمال العالم بمثل ما فعلت وزيادة مع الأقل تقدماً من أهل الجنوب.

وكم يبدو مثيراً ومؤلماً في هذا السياق، أن بعضاً من أكثر الدول تقدماً ورقياً وتحضراً علي كافة الصعد، اضطرت للإقرار بضعفها وقلة حيلتها، وأعلنت ما يشبه الاستسلام لأقدارها بعد أن استنفدت سريعاً قدراتها على رد «الموت الأسود» عن مواطنيها.

لا نعرف كيف يمكن التوفيق بين شكوى الإسرائيليين مما ألحقتهم بها الجائحة، وما أظهرته من عيوب في استعداداتهم، وبين تطوع دولتهم بإرسال طواقم طبية وتجهيزات للمساهمة في إغاثة شعوب ابتليت بشدة كالشعب الإيطالي. ولا تقل الحيرة عندما نلحظ نقاط قصور السلطات الإسرائيلية وتقصيرها بحق مواطنيها من فلسطينيي 48.

وكذا بحق فلسطينيي الضفة وغزة والقدس الرازحين تحت احتلالها البغيض منذ أكثر من خمسين عاماً. لامعنى لازدواجية تعامل الإسرائيليين الرقيق مع شعوب تقع وراء أعالي البحار، والتعامل الفظ مع أبناء الشعب الفلسطيني بين ظهرانيهم، الخاضعين جبراً لسيطرتهم، سوى أن الطبيعة العنصرية تأبى مفارقة أصحابها، حتى في أكثر اللحظات التي تقضي بغلبة الأبعاد الأخلاقية العابرة لكل التمايزات والاختلافات.

ندفع بهذا التصور عطفاً على بعض الوقائع ذات الدلالة.. مثل عدم التزام أصحاب العمل الإسرائيليين بتوفير أدنى مقومات الحياة الإنسانية لآلاف العمال الفلسطينيين، الوافدين من مدن الضفة وقراها، وسوقهم للمبيت في عراء الورش وأماكن العمل والمزارع. وفي واقعة بعينها لم يخجل ضباط إسرائيل وجنودها من إلقاء بعض العمال، المشتبه بإصابتهم بالفيروس اللعين، على الحواجز بلا أية رعاية.

ويتصل بهذا الغبن، عزل شرقي القدس وحرمان أبنائها الفلسطينيين من الإمكانات المطلوبة بإلحاح، والتعجيل بتسريح أكثر من أربعين ألف عامل فلسطيني دون الوفاء بحقوقهم التعويضية، ما يعني إيداعهم فريسة للفاقة في ظروف استثنائية ضاغطة.

ويندرج تحت فطرة التمييز، الظهور الساطع لتجليات الإهمال الذي عانى منه مطولاً القطاع الطبي بين ظهراني فلسطينيي 48، كغياب أجهزة الفحص والتنفس، وقلة الفحوصات في البلدات العربية وتثاقل السلطات المسؤولة في إجرائها، على نحو دعي بعض النواب العرب، مثل يوسف جبارين إلى «إقامة لجان طوارئ عربية أهلية تعني بهذا الأمر».

أحد المفارقات في هذا الإطار، أن معمعة الكورونا كانت كاشفة لقوة حضور الشريحة الفلسطينية داخل أحشاء الخدمات الطبية الإسرائيلية.. ففي لحظة صدق مع النفس شهد افرايم هليفي رئيس جهاز الموساد سابقاً بأن جهاز الصحة الإسرائيلي يعتمد راهناً على العرب، ولو أن آلاف الأطباء والممرضات والصيادلة والعمال العرب الآخرين جلسوا اليوم في بيوتهم، لانهار هذا الجهاز بالكامل ولما أمكن إنقاذه على الإطلاق .

بسلوكياتهم التمييزية ضد الفلسطينيين في أجواء الأزمة الراهنة، تؤكد نخب السياسة والحكم الصهيونية الإسرائيلية اتساقها مع الذات، بغض النظر عن أي محددات طارئة. وحين ينقشع غبار هذه الأجواء العاصفة، قد نقع على نتائج مروعة لهذه السلوكيات.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني