المحرر الجريح ربيع عوض: حياة شقيقي أديب والأسرى في خطر والاحتلال لن يحميهم من "كورونا"

جنين– "القدس" دوت كوم-علي سمودي– تجربته خلف قضبان الاحتلال تجعله أكثر معرفة وإدراكاً لواقع المعاناة والظروف الصعبة التي يمر بها الأسرى، خاصةً في ظل انتشار فيروس "كورونا" وتزايُد القلق على حياتهم، وبينهم شقيقه الأسير أديب المحكوم بالسجن 18 عاماً.

الأسير المحرر الجريح ربيع جمال عوض أبو حسين الذي تعرض للإصابة برصاص الاحتلال، وبُترت يده إثر ذلك، يقول في حديثٍ لـ"القدس": "سجون الاحتلال بيئة خصبة للأمراض والألم والوجع، فقد جمع الاحتلال فيها العناصر والمقومات التي تورث كل أسير مرضاً أو أثراً يلازمه طوال عمره".

ويضيف: "مهما اشتدت الأوضاع وتدهوت الحالة الصحية للأسير، لا توجد أدنى رعاية للمريض مهما كانت حالته أو عمره، والسجون جُهزت لتكون مقابر للأحياء، والصمت والتغاضي والإهمال شجع الاحتلال على المضي بسياساته العنصرية تجاه الأسرى الذين لايزالون يدفعون الثمن".

الأسرى ورعب "كورونا"

يقول المحرر ربيع لـ"القدس": "عانيت الكثير بعد بتر يدي، وتفاقمت معاناتي خلال اعتقالي وحرماني من العلاج، وبرعاية رب العالمين كنا نحمي أنفاسنا ونتقي ويلات الاحتلال وسجانيه في العيادات التي لا يتوفر فيها سوى حبوب المُسَكّن لمريض القلب أو السرطان، ويتركون الأسير ليموت ببطء، وتتكرر الحال في ظل حالة الرعب التي تسود بسبب انتشار فيروس كورونا".

ويتابع: "لم يُراعِ الاحتلال حالة مرضى السرطان وغيرهم، بالرغم من وصولهم إلى مرحلة النزع الأخير، وتركهم يموتون خلف القضبان ضارباً بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين، ولن تتغير الحالة اليوم، فلن يوفر المعقمات ووسائل الوقاية والحماية للأسرى المهددين من الجنود والسجانين".

ويُحذر ربيع: "كأهالي أسرى نقرع جدران الخزان ونصرخ من أعماقنا في وجه كل العالم: أليس أسرانا بشراً؟! لماذا تتركونهم رهائن لسجاني الاحتلال وحاملي الفيروس منهم ؟! أين منظمات حقوق الإنسان من واجباتها ودورها، أم أنّ أسرانا استثناء، ويُسمح للاحتلال بتعريض حياتهم للخطر؟!".

قلق وخوف

أمام صور شقيقه أديب التي تُزين جدران منزلهم في مدينة جنين، جلس المحرر ربيع وسط مشاعر السخط والغضب وهو يتابع أخبار الأسرى والوضع العام في ظل "كورونا"، ويقول: "كالكثير من المناضلين، شقيقي أديب طورد وأُصيب واعتُقل خلال انتفاضة الأقصى، عذبوه وعزلوه وحرمونا منه، لكنه صمد وتحداهم وعجزوا عنه وهو مقيد، ما زال صابراً يخوض معركة الكرامة والحرية مع باقي الأسرى، لكننا نشعر بخوفٍ كبيرٍ مع ازدياد الإصابات في إسرائيل، ما يُقلقنا أكثر على حياته وسلامته هو وبقية الأسرى".

ويضيف: "نتمنى السلامة له ولكل الأسرى والأسيرات، ونُحمّل الاحتلال المسؤولية عن حياتهم، ونتمنى أن تمر هذه المرحلة العصيبة، ونراهم جميعاً أحراراً بلا قيود".

عائلة مناضلة ..

وُلد الأسير أديب في بغداد لعائلة مناضلة، فوالده كان من مقاتلي الثورة وحركة "فتح" التي انتمى إليها منذ نعومة أظفاره، ويقول ربيع: "عاش أديب طفولته في العراق وتعلم بمدارسها، والتحق بمعسكرات الثورة وتدرب فيها، وتنقل مع عائلتنا في عواصم الشتات بيروت ودمشق وبغداد، حتى عادت العائلة إلى الوطن ضمن قوات جيش التحرير الفلسطيني عام 1994".

ويضيف: "والدتنا رحمها الله ربّتنا على حب الوطن والتضحية، وقفَت إلى جانبنا وشجعّتنا على تأدية واجبنا، فلم يسلم أحد من عائلتنا من المطاردة أو الإصابة والاعتقال منذ اندلاع انتفاضة الأقصى".

ويتابع ربيع:"لم تخشَ والدتي تهديدات الاحتلال بتصفيتنا، خاصة أديب، وبالرغم من حبها وحزنها وخوفها لم تطلب منه يوماً تسليم نفسه، فاعتزت ببطولاته وتضحياته، وعندما اعتُقلنا صبرت وصمدت وهي تقضي سنوات عمرها على بوابات السجون، تمتعت دوماً بمعنويات عالية وإرادة صلبة، وسلّحتنا بالعزيمة والإرادة حتى أغمضت عينيها، ولسانها يتضرع لرب العالمين ليحمي أسيرها أديب ويُكرمه بالحرية".

مطاردة واعتقال

بالرغم من المداهمات والكمائن، أصبح أديب وإخوانه مطلوبين للاحتلال الذي استهدف ربيع وأصابه في اليد التي بُترت، لكن أديب أكمل مشواره النضالي، ويقول ربيع: "خلال انتفاضة الأقصى، تعرّض أديب وباقي إخواني للمطاردة واستهداف الاحتلال، فأُصيب في البداية أديب برصاص الاحتلال خلال تصديه له في الحي الشرقي، وقبل أن يتماثل للشفاء كان يستبسل في التصدي والمقاومة والبطولة".

ويضيف: "رفض أديب تسليم نفسه، وتكررت محاولات اغتياله، لكنه واصل مشوار النضال قائداً وبطلاً في كتائب شهداء الأقصى حتى اعتُقل في كمين بتاريخ 1-11-2005، عندما تسلل إلى منزلنا لرؤيتة أُمي والاطمئنان عليها بعد مرضها".

دائرة الألم..

بعد رحلة تعذيبٍ في أقبية التحقيق والزنازين، حوكم أديب بالسجن الفعلي 18 عاماً، كما عاش إخوانه تجربة الاعتقال واحداً تلو الآخر، ويقول ربيع: "مرت سنوات على والدتي ونحن جميعاً خلف القضبان، تتمنى أن تعيش حياتها كباقي الأمهات في العالم، تجتمع بأحبتها تحت سقف منزلنا في جنين".

ويضيف: "عاقبنا الاحتلال بتفريقنا بين السجون، لكنّ والدتي لم تقاطعنا، بالرغم من مرضها وأوجاعها التي كانت تتزايد بشكلٍ خاصٍّ في المناسبات، مثل رمضان والأعياد، لأنها محرومة منا".

ويُتابع ربيع: "لم تفرح والدتي بعدما تحررنا من السجون، فبكرها ما زال أسيراً، تتذكر أديب وتصلي وتتمنى اجتماع شملنا لنفرح بأعيادنا ومناسباتنا، فكانت تردد دوماً: الطعم والمعنى الحقيقي للفرح عندما يكون أبطالنا بيننا أحراراً دون سجون".

رحيل الوالدة ..

بعد صبرٍ وتحدٍّ وانتظار، تعرضت الوالدة صفية أبو حسين (أُم أديب) لجلطةٍ وتُوفيت قبل عام، ويقول ربيع: "عاشت والدتي تُحصي الأيام والدقائق ليعود أديب إلى حضنها ويُعوّضها عن سنوات الفراق القسري وحياة العذاب والألم خلال رحلة مطاردته واعتقاله، لكنها رحلت ولسانها يردد اسمه وتوصينا به".

ويضيف: "كل يومٍ نتألم لغياب والدتنا الحنونة التي نفتقدها ونترحم على روحها، وما زلنا نُنفذ وصيتها بالتواصل مع شقيقي وزيارته والدعاء لرب العالمين ليُفرحنا بحريته التي انتظرناها طويلاً، وبالرغم من الخوف والقلق من فيروس "كورونا" لن نيأس ولن نفقد الأمل".