خواطر في زمن كورونا ولأزمة أخرى

الجزء الثالث...

خواطر في زمن كورونا ولأزمة أخرى

بقلم: الدكتور عزمي بشارة

1. شهد العالم أوبئة وكوارث، ولكن لم يشهد ملازمة الناس منازلهم، وإخلاء شوارع مدنهم وساحاتها العامة في جميع أنحاء العالم على نحو متزامن. هذه ظاهرة جديدة تماما.

2. خلافًا لأزمنة الحروب ومجالات العنف عموما، حيث يمتاز الرجل على المرأة (عمومًا وليس دائما)، فإن الأوبئة مثل بقية النوازل العائلية والملمّات المنزلية، غالبًا ما تفضح ضعف الرجال، وعجزهم عن الاحتمال والمثابرة في مقابل قدرة النساء على التحمل ومثابرتهن: الناس يتواجدون حاليا في البيت، عرين المرأة، في غالبية المجتمعات، فضلا عمّن يعملن خارج البيت ويدبّرن شؤون المنزل على الرغم من ذلك. وغالبا ما يكون الخروج من البيت للتسوق لتلبية حاجات الأسرة في الظروف الحالية أيضا من نصيب المرأة. (الجملة الأخيرة انطباعية ولا تقوم على إحصاء).

3. كبار السن ليسوا عالة أو عبئا على أحد فقد عملوا طوال حياتهم في بناء الدول والمجتمعات والأجيال الشابة وغير الشابة، ومن ضمنها حتى تلك القلة التي يوحي سلوكها بالتذمر والتعامل مع الكبار بوصفهم عبئا. من لا تكفيهم المحبة الإنسانية دافعا للعناية بكبار السن، أي بالأهل، يفترض أن يتذكروا أو يُذَّكروا بلغتهم الفاقدة للمشاعر أن الاعتناء بالكبار ليس إحسانا، بل واجبا يترتب على العدالة والإنصاف مقابل ما قدموه طوال عمرهم، ومهما فعلت الأجيال الحالية لن يكون بوسعها رد الجميل.

4. ليس التعليم عن بعد حلا مؤقتًا، إذ سوف يصبح جزءا من العملية التعليمية. ولكنه لا يساوي بين المتلقين حتى الآن، فهو يعتمد على شبكة الإنترنت غير المتوفرة لدى كثير من العائلات أو المكلفة بالنسبة لها، كما أن قوة الشبكة تتفاوت بين البلدان، وبين الفئات الاجتماعية. ليست التعليم عن بعد مساواتيًا (حتى الآن على الأقل).

5. يحيرك استمرار بعض الأصدقاء الحديثَ عن نظام عالمي جديد بقيادة الصين، خصوصا حين يضفون مسحة إنسانية على هكذا نظام متخيّل! من أي بيانات ومعطيات استنبطت إنسانية الصين في العلاقات الدولية؟ والحديث عن دولة تسود فيها رأسمالية متوحشة لا تأخذ بعين الاعتبار لا حقوق إنسان ولا بيئة، هي أقرب إلى رأسمالية القرن التاسع عشر. ولا تدعي هي ذاتها أنها تمثل قيما إنسانية، ولا حتى أيديولوجيًا. فهي تجمع بين نظام شمولي ونزعة قومية مغلقة. وتصدّر فكرة مفادها أن الديمقراطية مثل حقوق الإنسان أفكار غربية لا تتلاءم مع الحضارات الأخرى. وفوق هذا وذاك فإن أي نظام دولي مقبل سيكون متعدد الأقطاب، وموضوع إنسانيته سيكون كما هو الحال دائما موضوع خلاف وحوار وصراع ونضال وتضحيات.