وجهة نظر حول زمن ما بعد كورونا

بقلم الأسير أسامة الأشقر

هنالك أحداث تاريخية تطبع ذاتها على مجمل الحياة البشرية وليس من الضرورة بمكان أن تكون هذه الأحداث سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فهناك أمراض وأوبئة غيرت نظرة الشعوب لنفسها ولطريقة وأسلوب حياتها فكان وباء الطاعون أبرزها حيث أننا ما زلنا لغاية يومنا هذا نتحدث وتتحدث الأجيال عنه وعن أضراره وكذلك فوائده التي جلبها للبشرية أجمع، وهكذا مختلف الأوبئة التي عرفتها البشرية بسني عمرها ولكورونا زمنه أيضاً فاليوم نعيش زمن هذا الوباء الذي سيفرض نفسه على حياتنا العامة والخاصة شئنا أم أبينا وستذكر الأيام والعقود القادمة هذه الجائحة العظمى على أنها شكلت حدثاً تاريخياً بامتياز، أي أن زمن ما بعد كورونا ليس كما قبله معنى ذلك أن طبيعة الحياة البشرية ستختلف اختلافاً جذرياً عما سبق فالأبحاث الطبية التي تجريها الدول والجامعات ومراكز الأبحاث المختلفة ستحدث بلا شك ثورة طبية جديدة حول الفيروسات والأوبئة وطريقة علاجها وكيف تقوم هذه الفيروسات بتطوير نفسها والتعرف على طريقة انتشارها، أيضاً فالآثار الاقتصادية التي تجاوزت تريليونات الدولارات ستساهم بشكل كبير في إعادة الدول لمراجعة ميزانياتها وتدوير أولوياتها فهذه الآثار جسيمة جداً ولا قدرة لكثيرٍ من الدول على تحمل تبعياتها وهذا ما سيجعل الدول تبحث عن طرق جديدة لتنويع اقتصاداتها والعمل على ابتداع وسائل إنتاجية لها علاقة بالاعتماد أكثر على العمل عن بعد وزيادة الاعتماد على الذكاء الصناعي الذي هو الملاذ الآمن لاقتصاد ما بعد كورونا.

هذا بالضبط ما يجعل طريقة وأسلوب التعليم يشهد تحولاً نوعياً ذا أثر بعيد المدى فأصبح الآن العالم يتجه للتعليم عن بعد بشكل أكبر بعدما اضطر العالم أجمع للبحث عن وسائل جديدة لاستمرار العملية التعليمية في مختلف مراحلها إن كانت الابتدائية أم الثانوية أم الجامعية وهذا ما يجعل من إعادة هيكلة الأنظمة التعليمية أمر حيوي لزيادة فعالية المعلمين والمدارس وكل المكونات التعليمية في العالم أجمع.

أيضاً هذا بحد ذاته سينعكس إيجاباً على زيادة التطور التكنولوجي المتسارع فما نراه الآن من تسارع في عملية الإنتاج والتطور التكنولوجي حيث سيزداد أكثر بعد هذا الوباء الذي فرض نفسه على البشرية حيث سيزداد الاعتماد أكثر وأكثر على الأنظمة والتطبيقات التي ستسهل عمل واجتماع ولقاء وتعليم الملايين من البشر دونما أدنى احتكاك حيث سيصبح العالم أقل تداخلاً وتواصلاً وجدانياً وسيستبدل هذه اللقاءات باللقاءات الافتراضية مما سيقلل كثيراً من تواصل المجتمعات حيث سيفرض ذلك عليها عادات اجتماعية جديدة لم تعهدها من قبل بحيث تصبح التجمعات الجماهيرية واللقاءات الأسرية والاحتفالات التي تجمع الآلاف أقل مما كانت بكثير مع الأخذ بعين الاعتبار عامل الوقت الذي سيكون له الأثر الحاسم على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات المختلفة، فما نراه من اتجاه سائد للانعزال والانفراد سيصبح في يوم من الأيام هو الأمر السائد والعادي وستصبح التجمعات والاحتفالات الأسرية والعائلية والجماهيرية هي الاستثناء وستقل عادات التقبيل والتسليم والاحتضان وسيعوض عنها بالتحية عن بعد وسيصبح ما هو مستهجن اليوم عادي بل هو السائد والمقبول مجتمعيا، فما ستظهره المجتمعات من تغيرات في مختلف أوجه النشاط الإنساني سيفاجئ المراقب المتبصر مهما كانت سعة بصيرته وقدرته على التنبؤ بما تحمله الأيام القادمة.