الوجه الآخر لوباء كورونا

بقلم:الدكتور محمد طالب عبيدات

 كورونا الفيروس الذي أثار الذعر في كل العالم والذي تأبّط شراً وأزّم العالم برمّته واستنفر جيوش العالم وكوادره الطبية وشلّ اقتصاده وأجلس الناس في بيوتها وأرهب معظم الناس وأعلن حالة الطوارئ عند الجميع وقضى على عشرات الآلاف من الناس وتنتظر الجماهير عواقبه الوخيمة من سوق الأرض لغربها دونما هوادة وكتب فيه معظم كتّاب العالم وفنّدوا محاوره ومفاصله من جوانب مختلفة وتطلّع الجميع إليه على أنه كابوس حقيقي خافه سكّان الأرض والكثير الكثير من المثالب؛ وشكراً للدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك والتي جعلت كل ما سبق وقعُه سهلاً على الأردنيين؛ ومع ذلك بالمقابل بيئته لا تخلو من الكثير من الآثار الجانبية أو الوجه الآخر.

بالرغم من صغر حجم الفيروس إِلَّا أنه فتّاك لعين ويحرق الأخضر واليابس؛ ولم يقدر عليه بعد كوادر العالم الطبية لأن لقاحه لم يُعدّ بعد ودواؤه كذلك؛ ونتطلع لرحمة الله فينا جميعاً في هذه الدنيا لدرجة أننا بتنا نؤجّل كل شيء لما بعد أزمة كورونا فلعل الله يُحدِث بعد ذلك أمراً!

فيروس كورونا أعاد الجميع إلى الله وأظهر حاجة كل الناس للروحانية والإيمان؛ ربما لأن ‹الخوف قطّاع العصب›!؛ أو لأن الناس أيقنت بأن الغضب الربّاني على تصرفات البعض كبير؛ فالكل يسجد لله ويدعوه بالرحمة؛ لدرجة أن الابن يخاف من أبيه المصاب ويفرّ منه دونما لقاء!

وفيروس كورونا أجلس الجميع في بيوتهم؛ فكان الجو العائلي وعودة الحياة للبيت فالكل موجود والاجتماع الأسري للتعارف أكثر ولبناء منظومة القيم في أوجه؛ والسكينة والاستقرار عادت للبيوت والناس في بيوتهم آمنين؛ وفيروس كورونا جعل الناس تحاسب أنفسها على أخطائها وهفواتنا وتسامح بعضها بعضاً؛ وعزّز التكافل الاجتماعي والتعاضد والمحبة بين الناس؛ وجذّر صلة الأرحام والتواصل حتى وإن كان عن بُعد؛ فباتت الناس زاهدة لا تشعر بقيمة لهذه الدنيا الفانية.

وفيروس كورونا رسّخ النظافة البدنية والقلبية عند الناس؛ فالنظافة الشخصية أصبحت لكل شيء وفي كل وقت لدرجة الهوس؛ وكذلك نظافة القلوب باتت أنقى وأرقى لأن الناس تريد إبعاد شبح الفيروس عنها في الدنيا وتكسب الآخرة في حال كان سبباً في خلاصها.

وفيروس كورونا أعاد ثقة الشعوب في معظم حكوماتها وأعاد هيبتها كنتيجة للإجراءات الصارمة التي تم اتخاذها لحماية المواطنين والحفاظ على سلامتهم من أي مكروه؛ فوثقوا بالحكومات لأنها كانت خط الدفاع الأول عنهم وكانت إجراءاتها استباقية واحترازية على سبيل خدمتهم ودرء الخطر عنهم.

وفيروس كورونا حرّك في الناس كوامن نزعتهم الإنسانية والاجتماعية؛ فتراهم يسلكون كل طريق تؤول لعمل الخير سواء بالتبرعات النقدية والعينية للجهود الطبية أو للمتعطلين عن العمل أو الذين تقطّعت بهم السبل أو الفقراء والمسلمين والأرامل والأيتام وكل المحتاجين؛ والكل يحاول أن يفعل الخير كي لا يعدم جوازيه.

وفيروس كورونا جعل مختلف القطاعات تفكّر خارج الصندوق لإنجاز أعمالهم عن بُعد وبنظام العمل المرن؛ وهذه خطوة استباقية لتغيير نمطية العمل الكلاسيكي للإبداع والتميز والتنافسية. وفيروس كورونا سيقلب الخريطة السياسية والاقتصادية العالمية رأساً على عقب؛ فحتماً سنشهد في قادم الأيام تغييرات جذرية في تربّع الدول العظمى للهيمنة على العالم وستتغير الأحلاف السياسية وسيتبلور لاعبون جدد.

وفيروس كورونا قضى على أزمات السير والصخب والفوضى والمجون أحياناً؛ ورسّخ جمالية الحياة ببيئة نظيفة؛ كما قضى على كل أنواع النشازية والتطرف في الحياة؛ والقائمة تطول للوجه الآخر لفيروس ووباء كورونا؛ والمهم أن لا نحصي الآثار الجانبية كمياً بقدر ما نريد أن نستفيد من الدروس المستفادة من ذلك لنأخذ بها لصالح البشرية جمعاء. وأخيراً؛ ففي زمن فيروس كورونا حدثت وستحدث تغيّرات مذهلة في كل مناحي الحياة؛ والوجه الآخر غير القبيح للفيروس لا ينكره أحد؛ لكن المهم أن نعمل جاهدين لنحوّل تحديات هذا الفيروس اللعين إلى فرص تؤول لسلامة وصحة كل الناس.

*وزير الأشغال العامة والإسكان الأردني الأسبق - رئيس جامعة جدارا - عن "الدستور" الأردنية