العامل مالك غانم وعنصرية الاحتلال

بقلم: المحامي علي ابوهلال*

ما حدث مع العامل الفلسطيني مالك غانم الأسبوع الماضي يكشف عنصرية إسرائيل في التعامل مع العمال الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر، فقد قام جنود الاحتلال بإلقائه عند حاجز بيت سيرا قرب مدينة رام الله بعد شكوك بإصابته بفيروس "كورونا".

وذكر العامل الفلسطيني الذي ينحدر من قرية صرة (غرب مدينة نابلس) إنه أصيب بعدوى إنفلونزا "عادية" من أحد العمال الذين يبيتون معه في المسكن بمدينة تل أبيب حيث يعمل، وهو يعاني من انخفاض كبير في المناعة كونه مريضا بالكبد.

وأضاف العامل أن مسؤول الشركة التي يعمل فيها، حينما شعر بمرضه والاشتباه بإصابته بفيروس "كورونا"، اتصل بالإسعاف الإسرائيلي الذي تلكأ في الحضور وطلب أجرة نقل نحو 150 دولارا، وقام بنقله بعد مماطلة لمستشفى "إيخلوف" داخل تل أبيب، الذي ادعى أنه لا يتعامل مع "حالات كورونا".

بعد إجراء الفحوص له خارج المستشفى، يقول غانم إن الطاقم الطبي طلب من الشرطة الإسرائيلية نقله للضفة الغربية، دون مراعاة لوضعه الصحي، ورغم عدم ظهور نتائج الفحوص، وعدم معرفة إذا كنت مصابا بالفيروس أو لا، قامت الشرطة بتقييد يديه وقدميه وألقوا به داخل سيارة عسكرية، ونقلوه لحاجز بيت سيرا قرب مدينة رام الله، وطلبوا منه السير باتجاه الضفة الغربية وحده رغم أنه لا يقوى على الحركة، وكانت درجة حرارته قد بلغت حوالي أربعين مئوية".

العامل غانم واحد من عشرات العمال الذين أخرجهم جنود الاحتلال عنوة بعد شكوكهم بإصابتهم بفيروس "كورونا"، وألقوا بهم عند الحواجز العسكرية، بطريقة مهينة وغير إنسانية.

من جهته استنكر الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم، تعامل جيش الاحتلال مع العامل الفلسطيني، وقال إن "هذا سلوك عنصري من الاحتلال، ودعا العمال الفلسطينيين لعدم قبول هذه الظروف غير الإنسانية، وعدم الذهاب إلى المستوطنات التي هي بؤر للوباء".

من جانبه، أدان أمين عام اتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد في بيان له، ما أسماها "الوحشية الإسرائيلية، التي تجلت في أقذر صورها تجاه العامل مالك غانم".

أفادت مصادر إعلامية فلسطينية بأن مالك عانى سابقًا من تضخم في الكبد والغدد وخضع للعلاج في مستشفى المطلع بمدينة القدس، وما زال يعاني من تبعات ذلك بمناعة ضعيفة تجعله عرضة للأمراض، وذكرت أن مالك يرقد الآن في المستشفى الوطني بمدينة نابلس، وأظهرت الفحوصات الطبية بأنه يعاني من أنفلونزا حادة ويحتاج للعلاج عدة أيام، فيما أكدت مصادر طبية وإعلامية أنه غير مصاب بفيروس "كورونا".

شكلت حركة العمال الفلسطينيين إلى مناطق الـ٤٨ ثغرة في إجراءات منع انتشار فيروس كورونا، ما دفع السلطة الفلسطينية للتنسيق الكامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي الذي تعهد بأنه سيوفر للعمال أماكن سكن ملائمة، وصحية، ومنظفات ومعقمات، منعا لانتشار الفيروس وتسلله لمختلف مناطق الضفة المحتلة.

ومع تفشّي الفيروس، وجد العمّال الفلسطينيون الذين يتوجّهون يومياً من الضفة الغربية المحتلة إلى أراضي 48 أنفسهم بين نارَين، إمّا الاستقرار في تلك الأراضي لتأمين لقمة عيشهم وإمّا الانقطاع عن العمل وملازمة بيوتهم.

يوجد حوالي 133 ألف عامل فلسطيني يعملون في المشاريع الاسرائيلية داخل الخط الأخضر، ولدى تفشي فيروس "كورونا" في إسرائيل أعلن الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي منع تنقل العمال بين الضفة الغربية وإسرائيل.

يضطر غالبية العمال للمبيت في أماكن عملهم، لأن الظروف المعيشية الصعبة دفعتهم للمبيت في أماكن عملهم من أجل تأمين لقمة العيش لهم ولعائلاتهم.

وكانت الحكومة الفلسطينية قد طالبت العمال الفلسطينيين العاملين في المشاريع الإسرائيلية في مناطق الـ 48، في وقت سابق بترتيب أمورهم للمبيت في أماكن عملهم بالتنسيق مع مشغليهم خلال ثلاثة أيام، مشيرًا إلى أنه "سيتم منع التنقل بين الأراضي الفلسطينية والداخل بعد انتهاء المهلة الممنوحة

ودعت الحكومة الفلسطينية العمّال الفلسطينيين ممن يعملون في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدم التوجه إليها حرصا على سلامتهم وسلامة عائلاتهم وشعبهم، وذلك عقب تسجيل العديد من الإصابات ما بين المستوطنين.

إن قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإلقاء العامل مالك غانم على الحاجز العسكري بمجرد الاشتباه بإصابته بفيروس "كورونا" هو تصرف مهين وعنصري، ويكشف عن فاشية الاحتلال وهمجيته في التعامل مع الفلسطينيين بشكل عام، ودولة الاحتلال الإسرائيلي ملزمة وفقا لقواعد القانون الدولي كدولة قائمة بالاحتلال، بالتعامل مع عمالنا وفقا لقواعد وأحكام الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرتهم".

إن دولة الاحتلال الإسرائيلي، ملزمة وفقاً لقواعد القانون الدولي كدولة قائمة بالاحتلال، بالتعامل مع عمالنا، وفقاً لقواعد وأحكام الاتفاقية الدولية، لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أُسرهم، التي اعتمدت بقرار الجمعية العامة رقم (45) المؤرخ في الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر 1990، وهي اتفاقية لا تقرأ بمعزلٍ عن سائر المرجعيات الدولية الأُخرى، بما في ذلك الصكوك الأساسية للأُمم المتحدة، والمتعلقة بحقوق الإنسان، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، انتهاء باتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين.

وتتحمل "إسرائيل" القوة القائمة بالاحتلال" المسؤولية الكاملة عن مصير العمال الفلسطينيين العاملين في مشاريعها، وعن حياتهم في ظل تفشي خطر فيروس "كورونا" بشكل واسع وخطير أدى لإصابة ووفاة الآلاف من الأفراد في اسرائيل، وعليها اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لحمايتهم من هذا الخطر الداهم الي أصبح يهدد حياتهم.

وفي الوقت ذاته نوجه النداء لعمالنا الأعزاء، إلى العودة السريعة إلى بيوتهم وأسرهم، في أسرع وقت ممكن للحفاظ على صحتهم وصحة أسرهم وشعبهم، والتقيد بكل الإجراءات والتدابير الوقائية والصحية التي أعلنت عنها الجهات الفلسطينية المختصة، لدى عودتهم إلى الأراضي الفلسطينية.

لقد حان الوقت لعمالنا للتفكير الجدي بالامتناع عن العمل في المشاريع الإسرائيلية، وعلى الحكومة الفلسطينية وأرباب العمل الفلسطينيين، وضع الخطط الكفيلة لاستيعاب الأيدي العاملة الفلسطينية، في مشاريع العمل الفلسطينية المختلفة، لأن ذلك من مسؤولياتها تجاه عمالنا.

وهذا من شأنه فك ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بعجلة الاقتصاد وسوق العمل الإسرائيلي، الذي لاهم لهما سوى استغلال عمالنا، ومص دمائهم لصالح نمو الاقتصاد الإسرائيلي، وزيادة أرباحه، فهل تكون جارحة فيروس "كورونا" التي تهدد مجتمعنا وشعبنا ناقوس يدق في كل مكان من أجل تصويب حياتنا وترتيب أولوياتنا، ووضع الخطط الكفيلة بفك تبعية اقتصادنا باقتصاد الاحتلال وسوق العمل الاسرائيلي؟

*محام ومحاضر جامعي في القانون الدولي