القيادة والناس... والانتصار في حرب الكورونا

بقلم: الدكتور سعيد صبري*

في مثل هذه الأزمة العالمية التي تمر بها البشرية قاطبة، وحيث تعمل الإنسانية جاهدة على مقاومة انتشار فيروس كورونا الذي يعرف علميا بـ"كوفيد19" ، يظهر لنا التباين الواضح بين مختلف دول العالم في جهودها واهتمامها. فوجئنا بردات الفعل من دول كثيرة كنا نعتبرها رائدة في العمل الإنساني وحماية حقوق الإنسان، إلا أنها وقعت في فخ اللامبالاة وعدم الاهتمام بهذه الجائحة العالمية، لذا انتشر لديهم الفيروس بشكل وبائي والإصابات بالآلاف والوفيات في تزايد.

ومن هذه الجزئية تظهر لنا الإجراءات الوقائية التي اتخذتها حكومتنا والتي أدت لحماية وطننا الغالي والمواطنين من هذا الفيروس. جميعنا نتذكر قبل عدة أسابيع عندما بدأت السلطة الفلسطينية اتخاذ بعض القرارات القاسية التي تستهدف حماية إنسان هذه البلاد من التعرض لهذا الفيروس، ونستذكر مقولة رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية قائلا: "اذا كانت بعض الدول تقاوم الوباء بالتجربة والخطأ ، فاننا في فلسطين نخوض التجربة ولا نتحمل اي خطأ".. نتذكر النقد والكلمات التي قيلت وكتبت على مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أن كل خطوة وقرار يصدران من السلطة كانا يقابلان بسيل من العبارات يقول إن هذه مبالغات غير مبررة.

نجد ان الرؤية التى تبنتها القيادة الفلسطينية في الحفاظ على المواطن الفلسطيني كانت رؤيا صائبة بكل معانيها وقد انقذت الشعب الفلسطيني ذو محدودية المصادر المالية والعناية الصحية ويلات الكوارث.

والان، وبعد مرور هذه الفترة يبقي السؤال الصعب: كيف ستكون حياة المواطن الفلسطيني ما بعد فيروس كورونا وما هي التحديات التى تواجهه الحكومة الفلسطينيه والشعب الفلسطيني من الان والى المستقبل القريب؟ وبدايه هذه التحديات العمالة الفلسطينية العاملة داخل الخط الاخضر، وتحديات ابقاء العمال في اماكن سكناهم بعد الدعوة السابقة بالطلب من العمال الفلسطينيين العودة الى أماكن سكناهم او البقاء في اماكن عملهم لمدة لا تقل عن شهرين. نحن ندرك حجم التحدي ولكن لنعلم ان هؤلاء من يسعون لقوتهم اليومي بين معاناة يوميه وبين اذلال دائم على الحواجز العسكرية، والذي زاد عددهم عن قرابه 35 الف عامل ، سيشكلون خطرا اما بنقل الفيروس او بالامتناع عن العمل والبطاله، فماذا أعددتم لهؤلاء مع العلم ان كثيرا منهم يعملون في قطاعين رئيسين قطاع البناء وقطاع الزراعة. باعتقادي الحلول تبدأ في ربط الاحتياج باستنهاض العمل الزراعي في فلسطين وتوجه العمال الفلسطينيين نحو الزراعه في الأغوار الفلسطينيه واعداد خطط وطنيه لاستثمار الأراضي الزراعيه وذلك تلبية لاحتياج السوق المحلية الفلسطينية أو توفير فرص لانتاجات زراعية سيكون العالم بامس الحاجة لها في الفترة القليلة القادمة .

إن الوقاية الاقتصادية مطلوبة جنبا إلى جنب مع الوقاية الصحية، وهذا أيضا يحتم على الحكومات استخدام السياسة المالية لخدمة شعوبها، بتأجيل الضرائب، واستخدام سياسة الإنفاق لتشجيع الطلب على السلع والخدمات. فإنتاج المصانع والمؤسسات بجزء من طاقاتها خير من عدم إنتاجها على الإطلاق، ومن ثم انضمام جدد إلى جيش البطالة.

التحدى القادم هو تحدي اعادة تفعيل النشاط الاقتصادي في ظل ركود اقتصادي متوقع قد يمتد الى فترات طويلة، ولا استثني من الركود المتوقع اثر توقف العمالة الفلسطينية عن العمل داخل الخط الاخضر والاثر الكبير في رفد الاقتصاد الوطني الفلسطيني. وبتقديري يجب العمل سريعا من خلال وضع سياسات اقتصادية سريعة تدعم المشاريع الاقتصادية، فبعض الحلول الممكنة ان يتم توسيع دائره المشاريع الصغيرة الفلسطينية وتوسيع المجلات لكي نتمكن من فتح افاق نوعيه لاستيعاب العمالة الفلسطينية المتفاقمة، وذلك بفتح برامج حكومية داعمة للمشاريع الصغيرة بفلسطين اما بالاعفاء من الضرائب او باعطاء منح او تقليل نسبه الفوائد على اصحاب المشاريع هؤلاء. واكرر الدعوة السايقة في نفس الاطار ان يتم عمل صندوق وطني يدعم هذه المشاريع من الانهيار المتوقع .

اما التحدى الثالث فهو تحدي مالي وتوفر السيولة في البنوك الفلسطينية، وذلك نتيجة لعدم توفر الحلقة الاقتصادية او الدورة الاقتصادية وعدم وجود امكانيات لدى المستهلك الفلسطيني للقيام بدفع التزاماته في ظل تعطيل الحركة الاقتصادية، وانخفاض الدخل الحكومي بما يقدر ب 04 %نتيجة لتوقف للعجلة الاقتصادية والحياة.

ويبقى التأكيد على أنه رغم الترجيح باكتشاف علاج لهذا المرض، ومن ثم انخفاض معدل الوفيات، ولكن كورونا لن يختفي بعد اليوم من حياة البشر، وهو ما يتطلب من الحكومات أيضا التخطيط لذلك من الان.

المهم أن نواصل الاستجابة للتنبيهات والدعوات للبقاء في المنازل، لأن في مثل هذا الإجراء حماية حقيقية وسيسهم في عزل الفيروس ثم القضاء عليه.

*محاضر ومستشار اقتصادي لدى مؤسسات دولية