قراءه في المشهد الاسرائيلي.. "المشتركة" واللعبة السياسية

بقلم: الدكتور رائف حسين*

المستشار الألماني الأول كونراد ادنهاور قال، في تعليقه على تذكير الصحافة له بوعوده،: "ما تهمني دردشة البارحة… لا يستطيع أحد منعي من اصبح واقعيا وأزيد وعياً".

هذه الجملة ممكن ان يستعملها اليوم بيني غانس، رئيس كتلة ازرق ابيض، بعد انقلابه على كتلته البرلمانية وشركائه وناخبيه ومؤيديه وذهابه لدعم نتانياهو ليصبح رئيسًا للحكومة الجديدة في إسرائيل, ضارباً بعرض الحائط كل أقواله في الحملة الانتخابية ووعوده لناخبيه وهؤلاء الذين زكوه لتشكيل الحكومة.

السياسة فن الممكن وليس لعبة مبنية على التمني والنوايا الحسنة. السياسة، أية سياسة، تبنى على المصالح … وقليلًا ما تبنى على المبادىء هذا للآسف هو الحال المهيمن على سياسات الدول والأحزاب والتحالفات في أنحاء المعمورة… وإسرائيل ومكونات نظامها السياسي أفضل مثال على ذلك.

لفهم ما حصل يجب على الأفراد والأحزاب والنخب السياسية ان تطرح على نفسها سؤالًا كان يجب ان تطرحه منذ زمن طويل: أية إسرائيل هذه التي نواجهها اليوم؟

منذ قيام دولة اسرائيل سنة ١٩٤٨ طرأت تطورات جذرية على سياسة الدولة الاجتماعية والاقتصادية وسياستها الخارجية تجاه العالم العربي وتجاه الشعب الفلسطيني وقضيته, وخصوصا تجاه الاقليه الفلسطينيه في الداخل. اضافة الى تغيرات مفصلية في فهم ذاتها وطبيعة علاقة الدولة مع مواطنيها "العرب" : الاقليه الفلسطينيه.

لتسهيل فهم اسرائيل وسياساتها، خصوصا تجاه الاقليه الفلسطينيه ومتابعة التطورات التي مرت بها خلال السبعة عقود الماضية أُقَسِم مراحل هذا التطور الى ثلاث حقبات زمنية طرأت بها هذه التطورات الجذرية والتي برأيي ان على كل باحث وكل سياسي ان ينتبه لها عندما يريد ان يفهم اسرائيل وسياساتها تجاه القضيه الفلسطينيه بكاملها، وخصوصا تجاه الاقليه الفلسطينيه في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والايدولوجية واستراتيجياتها السياسية المتعددة:

1. اسرائيل الأولى ١٩٤٨ - ١٩٧٧.

2. اسرائيل الثانيه ١٩٧٨ - ٢٠٠٥.

3. اسرائيل الثالثة ٢٠٠٦ - وحتى يومنا هذا.

الفكر الصهيوني الجديد الذي وضع اسسه الاولى رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وانا اطلق عليه اسم "النتانياهوية" هو الفكر المهيمن على برامج النخب السياسية الصهيونية.

النتانياهوية ترتكز على رؤية جديدة لموقع اسرائيل في الشرق الاوسط وفهمها لذاتها ورؤيتها للقضية الفلسطينية ومستقبل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

هذه الرؤية تعتمد على ثوابت صهيونية جديدة وهي بالواقع تعديل وملائمة للايدولوجيا الصهيونية الاولى لتتماشى مع التطورات والتغيرات التي عصفت في اسرائيل واقليم الشرق الاوسط والنظام العالمي.

اهم هذه الثوابت:

• انهاء معادلة الارض مقابل السلام واستبدالها بمعادلة الاقتصاد مقابل السلام والتطبيع اساس لهذه المعادلة.

• لا لسيادة كاملة للفلسطينيين على الاراضي المحتلة عام 1967 والقدس الشرقية خارج هذا الاطار.

• القانون الدولي والقرارات الاممية عائق امام اي تسوية للصراع وعائق امام اندماج اسرائيل في اقليم الشرق الاوسط. حل الدولتين كما تراه هذه الاطر مرفوض جملة وتفصيلا.

• مقابل قضية اللجوء الفلسطيني هنالك قضية اللجوء اليهودي من الدول العربية.

• الاقلية الفلسطينية في اسرائيل هم عرب مقيمون باسرائيل مع حقوق مدنية مجزوءة . ديمغرافيتهم وانتمائهم الوطني خطر على يهودية الدولة ومستقبلها. حقوقهم السياسية يجب ان تصبح مرتبطة طرديا بولائهم للدولة.

• الاعتراف بيهودية اسرائيل شرط اساسي لكل علاقة مستقبلية بين اسرائيل وجيرانها وعلاقة اسرائيل بالاخرين داخل مناطق نفوذها وعلاقاتها الدولية ايضا .

• تسخير حملات التصدي, الرسمية والشعبية في كل انحاء العالم, لمناهضة اللاسامية لدعم الصهيونية الجديدة ومشروعها الاستراتيجي تجاه القضية الفلسطينية. هذا الدعم تراه النتنياهوية عبر وضع معادلة جديدة محورها : ان معادي اللاسامية الجديدة, ان كان, حركة شعبية, فرد, مؤسسة رسمية او حكومة, يجب ان يكون داعم للصهيونية الجديدة دون قيد او شرط والعكس صحيح. وبما ان النتانياهوية تتنكر للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني, تصبح بحسب المعادلة الجديدة اي مطالبه بهذه الحقوق او جزء منها نوع من معاداة السامية.

هذه الصهيونية الجديدة أصبحت العمود الفقري لكل سياسات الأحزاب الصهيونية ولم تعد مرتبطة بشخص نتانياهو.

الرد والتعامل البراغماتي مع النتانياهوية المتجسدة بالثواب الصهيونية الجديدة يتطلب من قبل م ت ف ومن قبل النخبة السياسية للاقلية الفلسطينية في اسرائيل استراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التطورات الايدولوجية والسياسية في اسرائيل والتحولات الكبيرة في الاقليم وانتهاء احادية القطبية في النظام السياسي العالمي.

وعودة بنا إلى ما حصل قبل أيام في الكنيست الاسرائيلي وبداية تصدع الكتلة الانتخابية ازرق ابيض والتوجه إلى حكومة برئاسة نتانياهو والموقف الحرج التي وصلت اليه القائمة المشتركة.

القائمة المشتركة وقعت في خطأين؛ خطأ استراتيجي في حملتها الانتخابية وخطأ تكتيكي في تسويق توصيتها على بيني غانس بين جماهيرها.

القائمة المشتركة بنت حملاتها الانتخابية الماضية على نقطتين أساسيتين؛ هما إسقاط نتانياهو وإسقاط اليمين.

هذه الاستراتيجية، وان كانت للوهلة الأولى مفهومة ومطلوبه بسبب عنصرية نتانياهو ومن ورائه اليمين الداعم له، الا انها تعطي أيضاً الانطباع ان الآخرين، من النخب السياسية الصهيونية، ليسوا بيمين ... وان سياستهم تجاه الأقلية الفلسطينية وفهمهم لإسرائيل الثالثة بكل ابعادها, مختلف عن نتانياهو. التدقيق ببرامج هذه الأحزاب والتمعن بتصريحات قياداتها وقرارات هيئاتها المركزية يوصلنا إلى استخلاص اخر، استخلاص مفاده ان سياساتهم وتصريحاتهم وبرامجهم لا تختلف عن برامج الليكود إلا بنقط تجميليه … هم لا يشهرون عنصريتهم ، لكنهم يطبخونها على نار هادئة ويعبرون عنها بدبلوماسية اكثر حنكة من اليمين المتطرف.

استراتيجية القائمة المشتركة كانت وما زالت مبنية على التمني وليس على قراءة واقعية واضحة لما وصلت اليه إسرائيل بنخبها السياسية والدعم الجماهيري اليهودي لسياساتها المبنية على العنصرية والتفوق للأكثرية اليهودية وزيادة تهميش أهل البلد الأصليين.

الاستخلاص العقلاني الذي كان واضحا لكل مراقب للنخب السياسيه الصهيونية الاسرائيليه هو ؛ ان ما يجمعهم اكبر بكثير من ما يفرقهم … وعلى هذا الاستخلاص كان يجب ان ترسم الاستراتيجية الانتخابية للمشتركة وتحركاتها بعد الانتخابات.

القائمة المشتركة أوصت على بيني غانتس لتشكيل حكومة من مبدأ تكتيكي صحيح. مبدأ يرى بان المشاركة بخلط الأوراق بالساحة السياسية الاسرائيلية أفضل من الوقوف جانبًا والانتظار … وان الخسارة للمشتركة في حالة نقض العهد من قبل ازرق ابيض سوف تكون أقل من الخسارة الناتجة عن العدمية المطلقة. لكن هذا التكتيك كان يجب ان يتم شرحه بإسهاب لناخبي المشتركة لكي لا يدب الشك وزعزعة الثقة كما حصل الان بعد ان قرر غانتس ان يهودية الدولة اهم من ديمقراطيتها وان الليكود اقرب له ولأفكاره من المشتركة.

الترويج من داخل صفوف المشتركه للفكرة على ان التوصية تعني دعم حكومه ضيقة بقيادة غانتس او حتى المشاركة بحكومة بقيادته لان الأكثرية الصهيونية لا تستطيع تقبل فكرة قيادة المعارضة من قبل الرفيق ايمن عوده ,هي فكرة ساذجة ولا تدل على ادراك كامل للتطورات التي حصلت داخل النخبة السياسية الصهيونية وتبنيها جميعًا للفكر الصهيوني الجديد، "النتنياهويه" .

النظام السياسي الاسرائيلي في إسرائيل الثالثة لا يحتمل مشاركة أشخاص غير صهيونيون في حكومة اسرائيلية. والأكثرية الساحقة من منتخبي ازرق ابيض لا تريد نتانياهو رئيسا للحكومة لكنها لا تقبل ان تربط مصير حكومتها بشخصيات ترفض يهودية الدولة وفهمها الجديد لذاتها وللآخر غير اليهودي.

الأصوات العنصرية التي عبرت عنها بعض شخصيات ازرق ابيض لم تكن أصواتا فردية، كما حاول البعض تصويرها، بل أصوات معتمدة على قاعدة متينه داخل الكتلة وداخل صفوف ناخبيهم كما اتضح في الأيام الأخيرة.

خطوة غانتس يمكن انها أضعفت قوة الحزب وقسمته لكنها يمكن ان تُسّوق كنجاح كونها وضعت المصلحة " الوطنية الصهيونية" فوق المصلحة الشخصية لغانتس ومصلحة الحزب وفي ذات الوقت بانقسام "أزرق أبيض" لكتلتين فإن ذلك منع ان تكون المشتركة قائدة للمعارضة داخل الكنيست. من وجهة نظر الصهيونية الجديدة والدولة العميقة في اسرائيل فان النقطة الأخيرة، منع ايمن عودة من رئاسة المعارضة، اهم للدولة اليهودية ومصيرها وأقل خطرا من بقاء نتانياهو رئيسا للحكومة.

القائمة المشتركة يجب ان تضمد جروحها وتنتقل الي اعادة كسب ثقة الجماهير بتركيزها على وضع استراتيجية واقعية جديدة لعملها البرلماني واجتهاد استثنائي لبناء وانتخاب مؤسسات ديمقراطية داخل الأقلية الفلسطينيه وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا ودعم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بالداخل.

على هذه الأعمدة الثلاثة، يجب على القائمة المشتركة ولجنة المتابعة المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني، ان تبنى استراتيجية العمل السياسي المستقبلي وعليها يجب ان يرتكز عمل النخبة السياسية لمواجهة العنصرية المتزايدة في اسرائيل الثالثة.

*كاتب ومحلل سياسي