سنة كبيسة بكل المعايير!

بقلم: الدكتور صبحي غندور

عاجلاً أم آجلاً ستنتهي حالة الذعر العالمي السائدة حالياً من فيروس كورونا، تماماً كما حدث مع أوبئة أخرى شهدتها البشرية، ثم عاد العالم بعد ذلك إلى سيرته التاريخية المعتادة من صراعات بين القوى الكبرى على النفوذ والمصالح، وفي داخل المجتمعات حول قضايا سياسية واجتماعية، وأحياناً بين الشعوب على مسائل ثقافية وإثنية وعرقية.

الصراعات هي جزء من حتمية تطور الدول والناس، حتى في المجالات العلمية والطبية والأدبية، فإنها تتصل بشكل كبير في تفاصيل هذه الصراعات البينية بين البشر. فكم من مكتشف علمي نستخدمه الآن كانت بدايته في مصانع الأسلحة واحتياجات الحروب! وكم من إنجاز طبي كان أولاً في مختبرات لمؤسسات عسكرية أو تجارية كبرى، وكانت الغاية منه التفوق على الخصم أو تحقيق أرباح مالية ضخمة!.

سبحان الله الذي أعلمنا في قرآنه الكريم: } ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها.{، وقوله تعالى: }هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها{، حيث الإنسان هو المسؤول عن تعمير الأرض أو هدم ما فيها!.

فصحيحٌ أنّ الرسالات السماوية وضعت الكثير من ضوابط السلوك الإنساني، تجاه الآخر والطبيعة عموماً، لكن البشر الذين أكرمهم الله أيضاً بمشيئة الاختيار بين الخير والشر، بين الصالح والطالح، لا يحسنون دوماً الاختيار!

كان العالم قبل هلع وباء كورونا يعيش هواجس «الاحتباس الحراري» والتغييرات المناخية، ممّا يهدّد بحالات عديدة من الجفاف أو الطوفان، وممّا سيترك أثراً كبيراً على فصول الاعتدال بالطبيعة (الربيع والخريف)، ويجعل الكرة الأرضية أسيرة الصيف الحار الحارق أو الشتاء البارد القاسي!

والإنسان المعاصر ساهم طبعاً في هذا الاختلال بالتوازن الطبيعي للمناخ، الإنسان الذي استخلفه الله على الأرض لبنائها وإعمارها والحفاظ عليها، فهي أمانة مستخلفة من الخالق لم يُحسن الإنسان رعايتها.

وما يحدث في الطبيعة والمناخ نراه أيضاً قد حدث في الأفكار والمعتقدات حيث اتّجه الناس أكثر فأكثر لتبعية «رموز نارية» تشعل اللهب هنا وهناك، تحرق الأخضر واليابس معاً، فتذهب ضحية هذه القيادات والأفكار والجماعات، نفوس بريئة وأوطان عريقة!

موسم الحزن والقلق والهلع الذي يعيشه العالم الآن بسبب فيروس كورونا هو أشبه بموسم الخريف الذي تتساقط فيه أوراق الشجر كما يتساقط ضحايا الوباء في أكثر من مكان من العالم.

وربما ذلك من سوء حظ الأجيال المعاصرة الآن لهذا الوباء كالذي حصل مع أجدادهم منذ مائة عام والذين عاشوا أيضا بعد ذلك «موسم الشتاء» في حياتهم الاقتصادية كمحصلة للحرب العالمية الأولى ولوباء الأنفلونزا، لكن لا نعلم بعد كم سيكون العلم قادراً على اختصار المراحل الزمنية لكي تشهد البشرية ربيعاً جديداً بعد ذلك، هذا العلم الذي لم يكن متوفراً قبل قرن من الزمن.

هناك مصطلح «السنة الكبيسة» الذي يتمّ استخدامه مرّة كل أربع سنوات حيث يكسب شهر فبراير يوماً إضافياً في عدد أيامه، وهو في ذلك يضيف للناس الذين يتّبعون التقويم الشمسي المعمول به عالمياً الآن، يوماً في أعمالهم وشؤونهم الحياتية دون التوقّف عند قيمة هذا اليوم الإضافي وغير المحتسب مادياً لدى من يتقاضون أجورهم على أساس شهري.

وهذا العام هو «سنة كبيسة» ولا أعلم إنْ كانت هي مصادفةً أم قراراً عن سابق تصوّر وتصميم، أن تحصل انتخابات الرئاسة الأمريكية دائماً في «سنة كبيسة»، كما هو مصطلح على تسميتها باللغة العربية عندما يصبح عدد أيام السنة 366 يوماً بدلاً من 365.

ولقد راودني هذا التساؤل عن التلازم بين انتخابات الرئاسة الأمريكية وبين «الأعوام الكبيسة» وبين ما يحدث هذا العام من انتشار لوباء كورونا.

هو عصر التطرّف الآن في المناخ وفي الأفكار وفي الأوبئة، وكم سيكون مفيداً استخلاص الدروس والعبر مما يجري حالياً في مواجهة فيروس كورونا حيث العالم كلّه في هّم واحد وفي مصيبة مشتركة، ويبحث عن علاج واحد في مواجهة هذا الفيروس، بينما «أمراض إنسانية» عديدة أخرى تنخر أجساد المجتمعات والأوطان والطبيعة ولا تجد العلاج الناجع لها!.

وسيكون الأساس المطلوب بعد «عصر كورونا» هو البحث عن الفكر المعتدل، وهو ليس بالفكر الواحد أينما كان، ولا يجب أن يكون. فالاعتدال هو منهج وليس مضموناً عقائدياً.

وقد يكون المضمون دينياً أو علمانياً، وطنياً أو قومياً أو أممياً، لا همّ بذلك، فالمهم هو اعتماد الاعتدال ورفض التطرّف كمنهاج في التفكير وفي العمل وفي السلوك الفردي والجماعي ومع الطبيعة أيضاً.

فعسى أن تكون أيضاً هذه السنة الكبيسة بداية لأفول عصر الفكر الكابوسي!

*مؤسس ومدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن- عن "البيان" الإماراتية