خواطر في زمن كورونا ولأزمنة أخرى

بقلم: الدكتور عزمي بشارة

1. يحيرك من اكتشف فجأة أهمية الدولة أو أنها عادت أو صعدت. وهل اختفت الدولة، أو ذهبت أو نزلت قبل الوباء؟ من تفلسف سابقا وكأن العولمة انتصرت على الدولة باعتبارها عنده نقيضها أو خصمها، صدّق نفسه، فتفاجأ الآن.

لكن كان بوسعه أن يلاحظ ما بينته التطورات خلال العقدين الماضيين: فحين كانت العولمة الاستهلاكية والثقافية والرقمية وفي مجال الاتصالات والتنقل في تصاعد، كانت كذلك قوة الدولة. كما قامت عشرات الدول الحديثة في وسط آسيا وأوروبا الشرقية والبلقان، وأخيرا انفصلت بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. كما ثبت أن العولمة، التي انتجت ثقافة عالمية جديدة، أيقظت أيضا الثقافات والهويات المحلية والقومية في الوقت ذاته.

الطبيعة مركبة وعالم البشر أكثر تركيبا، ويزدحم بالمتناقضات التي يعيش البشر فيها ومعها ومن خلالها، ويتغيرون. فقط الفلاسفة الموسميون في زمن الكوارث يستنبطون من كل تفصيل نبوءة، ويستسهلون التعميم من وقائع منتقاة إلى نظرية شاملة، وكان يمكن استنتاج غيرها لو انتقوا وقائع أخرى. ولهذا السبب يمكن اعتبار هذا النوع من التفلسف ظاهرة نافلة.

الدولة التي تحتكر العنف الشرعي، وتشرع القوانين، وتنفذها، وتحكم في النزاعات بين الناس، وتصدر وثائق الهوية والأحوال الشخصية، وتقر الميزانيات وتجبي الضرائب... هي نفسها الدولة التي خاضت الحروب وأصبحت أكثر قوة ونفوذا بعدها، والتي استفادت من التكنولوجيا المعولمة لتطور قدرتها على الضبط والسيطرة... وهي الدولة التي تتصارع القوى السياسية للسيطرة عليها... هل أصبحت فجأة مهمة في زمن كورونا لأنها أغلقت الحدود وفرضت العزل المنزلي؟ عجيب أمر الرومانسيين الذين يرون في هذا تغيرا عظيما.

لقد عرّف أحد المفكرين القانونيين الألمان قبل الحرب العالمية الثانية الدولة تحديدا بقدرتها على فرض نظام الطوارئ. وقد اعتبرتُ (في كتابي الأخير حول الشعبوية) تعريفه مجردا لأنه يقوم على الاستثناء لا على القاعدة، وكان هذا هو سبب إعجاب النازيين به.

2. يتطلع الناس إلى الدولة في زمن الكوارث لأنها المجتمع المنظم ذاته في صيغته السيادية الكلية، ولأنه المؤسسة الشرعية التي يمكن أن تعلن منع التجول وتوزيع المؤن وتخصيص الميزانيات واستنفار الجيش وإصدار الأوامر، وإعلان حالة الطوارئ. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة يرغب الناس بتحديد سلطات الدولة في غير حالات الطوارئ، ومنع تعسفها حتى في هذه الحالات. ليس هذا الأمر بجديد.

3. لا يدل إغلاق الحدود بحد ذاته على شوفينية أو على صعود قوة الدولة. وبعض الدول غير الجاهزة لمواجهة الوباء لا تستطيع سوى القيام بهذه الخطوات. فقد أغلقت أيضا أحياء ومدن، وأغلقت بنايات ومنازل أيضا. تمثل الحدود المجال الأوسع الذي يمكن للدولة إغلاقه لمنع انتشار العدوى. لا علاقة لهذا بقلة بالإنسانية ولا بالعنصرية. وذلك خلافا لرفض معالجة مرضى داخل نطاق الدولة لأسباب عنصرية وغيرها.

4. الناس لا تجلس وتستنتج نظاما عالميا جديدا لأنهم يصبحون أكثر حكمة بعد الكوارث. لا تجري الأمور على هذا النحو. وحين يتحدثون عن النظام العالمي، إنما يقصدون عادة النظام الدولي، وليس التوازن البيئي بين الإنسان والطبيعة. لنفكر قليلا، هل سوف يغير الوباء النظام الدولي بمعنى المنطق الذي تقوم عليه علاقات الدول وهو توازن المصالح وتوازنات القوى؟ هل سوف تصبح الدول أكثر عقلانية أو أكثر أخلاقية، أو كليهما بسبب الوباء؟ لا أعتقد ذلك. نأمل أن يصبح الناس عموما أكثر عقلانية أخلاقية، وسوف يؤثر ذلك على السياسة، وربما على طبيعة الأنظمة، ولكن ليس بالضرورة على علاقاتها. ولكن نأمل ولا نتنبأ.

5. كانت ثمة أسباب كثيرة غير الوباء، للتفكير بطريقة حياتنا. ليست طريقة حياة الناس سبب الطفرة الجينية في نشوء الفيروس. وقد حصدت الأوبئة مجتمعات وتنقلت بين القارات في الماضي أيضا. لدينا أسباب كثيرة مقنعة لإبطاء إيقاع حياتنا وتقليل الضغط وتخفيف السرعة، والتفكير أكثر بالنوعية والكيف قبل الكم.

يقول الفلاسفة الموسميون إن الجلوس في البيت سيعلمنا ذلك. لينتظروا قليلا حتى يبدأ الجلوس بالبيت بالتسبب بالضغط وعوارض أخرى غير حميدة لن أفصّلها، ولينتظروا أثره على عمال المياومة الذين إذا لن يعملوا لن يقوموا بأود عائلاتهم. الجلوس في البيت ضروري جدا للحد من انتشار العدوى، وسوف يحاول البعض أن يستخلص فوائد وعبرًا منه.

ولكن لا يمكن استنتاج نظريات حول كل شيء من التفاصيل الغريبة التي نعيشها حاليا، والتي تبدو مثل مشهد سينمائي. قد نتعلم مرة أخرى بعض الأشياء المفيدة حول تصرف الناس عند شعورهم بالضغط، ودور غريزة البقاء في مقابل دور الأخلاق بوصفها هوية إنسانية. قد يستنتج الناس أمورا حول تشابه البشر مواجهتهم نفس الخطر، ولكن هل يعني ذلك تبني قيمة المساواة؟ ليس بالضرورة. نأمل ذلك. ولكن ليس هذا استنتاجا عمليا، ولا نبوءة.

6. لا بديل للتفكير العقلاني والأخلاق الإنسانية في التعامل بين البشر قبل الوباء وبعده، والتواضع في العلاقة مع الطبيعة بما فيها جسم الإنسان، على الرغم من أن أساس منطق العلم هو السيطرة على بيئة الإنسان، واكتشاف قوانين الطبيعة لتسخيرها، كما في حالة الأبحاث الجارية على الفيروس في مختبرات دول العالم المتطورة. ولكن يجب أن ندرك أننا لا نسيطر على قوانين الطبيعة مثل محتل خارجي، بل نبقى جزءًا منها، ولا توجد طريقة أن نسيطر عليها من خارجها. هذا وهم. فكرة مهمة في وضع السياسات الصحية العامة وربما السياسات في الإنتاج أيضا، والتي تمس نمط الحياة بأكمله، ولكن لا أعتقد أنها تفيد أي عالم بيولوجيا أو بكتريولوجيا في أبحاثه الجارية حاليا على الفيروس.

عن "عرب ٤٨"