مهزلة نتنياهو-غانتس

حديث القدس

المسرحية التي شهدها الكنيست الاسرائيلي أمس بانتخاب بني غانتس، الزعيم السابق لتحالف «أزرق أبيض» لرئاسة الكنيست بغالبية ٧٤ صوتا، بعد أن صوتت له كتلة اليمين، بعدما دار وراء الكواليس من مفاوضات أسفرت عن اتفاق مبدئي بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وغانتس على تشكيل «حكومة طوارئ وطنية» برئاسة نتنياهو، وسط معارضة تحالف العمل - ميرتس والقائمة المشتركة وحزب ليبرمان، ومعارضة الكثير من نصف أعضاء الكنيست من «أزرق أبيض» مما أدى الى تفكك هذا التحالف، هذه المهزلة تؤكد ان لاشيء مبدئيا في الساحة السياسية الاسرائيلية، بعد ان تنكر غانتس لحلفاء الأمس ووافق على الانضواء لحكومة برئاسة نتنياهو الذي كان اسقاطه محور الحملة الانتخابية لغانتس وحلفائه من «الوسط - اليسار»، وبعد ان تبادل غانتس ونتنياهو أقذر الاتهامات خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ما ينطوي على هذا التطور الخطير في اسرائيل اولا انه يؤكد ان كتلة اليمين الاسرائيلي وفي مركزها حزب الليكود لا تختلف كثيرا عن غانتس وقائمته «حصانة لاسرائيل» التي وافقت على الانضمام لهذه الحكومة وهو ما يعني استمرار نهج اليمين في التنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتصفية حل الدولتين وتأييد ضم الأغوار وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، واستمرار النهج العنصري حيال الفلسطينيين عموما، وحيال فلسطينيي الداخل على نحو خاص الذين بذل ممثلوهم المنتخبون كل ما بوسعهم لإسقاط نتنياهو ونهجه العنصري.

كما تسقط هذه المهزلة ورق التوت عن النظام السياسي الإسرائيلي الذي تفاخر بالديمقراطية والمساواة وسيادة القانون في الوقت الذي تنكر فيه يمين نتنياهو وغانتس لاكثر من عشرين بالمئة من مواطني اسرائيل الفلسطينيين ومحاولة نزع الشرعية عن ممثليهم وبالتالي سقوط شعار المساواة ايضا خاصة وان غانتس لم يتجرأ على تشكيل حكومة ضيقة بدعم القائمة المشتركة رغم امكانية ذلك.

وأكثر من ذلك فإن كتلة اليمين الاسرائيلي التي شلت الكنيست ورفض الرئيس السابق للكنيست يولي إدلشتاين تنفيذ قرار واضح للمحكمة العليا ، والهجوم الشرس الذي شنه نتنياهو والليكود على النيابة العامة والمستشار القضائي للحكومة والمحكمة العليا، هذه الكتلة، وكما قال محللون ومراقبون في اسرائيل لم تلغ الديمقراطية فقط بل ووضعت علامات تساؤل كثيرة على سيادة القانون واحترام القضاء.

وهنا فإننا لسنا بمعرض التطرق لخيانة غانتس لحلفائه الذين وصفه بعضهم بأنه خان الناخب الإسرائيلي وخان تعهداته لهم ، كما لن نتطرق الى الانقسامات الجديدة في الساحة السياسية الاسرائيلية لصالح نتنياهو واليمين الاسرائيلي، الا ان ما يجب ان يقال هنا انه اذا كان الليكود بزعامة نتنياهو يمثل اليمين (أ) في اسرائيل فقد أثبت غانتس أمس أنه ومجموعته التي أيدت خطوته يمثلان اليمين «ب» وكلاهما وجهان لعملة واحدة لا تعني سوى العنصرية والتحريض ضد الفلسطينيين ولا تعبر سوى عن نوايا الضم والتوسع وسد الطريق أمام تحقيق سلام عادل وشامل.

ويكفي ان نردد ما قاله أعضاء الكنيست ممن فوجئوا بخطوة غانتس هذه بأنه اختار العار الى جانب نتنياهو المتهم الجنائي بالفساد لتشكيل حكومة جديدة بدعوى حالة الطوارئ، وأقل ما يقال في هذا ان دولة الاحتلال التي تواصل استعمار شعب بأكمله وتتنكر للشرعية الدولية ولحقوق الانسان وتمعن في التمييز العنصري ضد فلسطينيي الداخل وتسعى للضم والتوسع على حساب الحقوق المشروعة لشعبنا ليس مستغربا ان تكون حكومتها على هذه الشاكلة من التطرف والعنصرية ولا ان يكون رئيس حكومتها اضافة لتطرفه وعنصريته على هذا النحو من الفساد المشين.