نسخة منقحة ... هجوم الكورونا في ظل الدفاع السلبي للفرد!!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

حتى في أفزع الكوابيس وأشدها خوفا، ولا في أشد أفلام الإثارة غير المعقولة والخيالية، لم يدر في خلد أكثر الناس خيالا، أن يحدث ما يحدث هذه الأيام في هذا العالم. ومن ثم تتناقله كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بشكل صادق أو خيالي لتحاصر العقل الإنساني وتسلبه الراحة والسكينة، لتجعله يغرق في تحليلات ورؤى مفزعة.

المشكلة كل المشكلة، أن هذا العدو مجهول للبشر جميعا، وأن البشر متنقلون مرتحلون غير ساكنين، يأبون تقييد حريتهم أو سلبهم إياها بسبب هذا الفيروس أو بسبب غيره. ولم يصدق البشر أنه في القرن الواحد والعشرين، وفي ظل هذا التقدم العلمي الهائل، ولم يرغبوا في التصديق، أن فيروسا يمكن أن يكون بهذه الخطورة وعلى قدر كبير من الانتشار يمكن أن يزعجهم لا أن يميتهم. ولم يخرج مسئول واحد ليؤكد خطورة الوضع في البدايات. بل رأينا مسئولين كبارا في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية يتصرفون بعجرفة وبطريقة متهورة تخلو من الإنسانية معتقدين ببلاهة وغباء أن الكورونا طوع أياديهم. وها هم يدفعون ثمنا غاليا، والأهم أن شعوبهم تدفع هذا الثمن نتيجة لاستعلائهم ونرجسيتهم وغرورهم.

ولما كانت بدايات هذا الوباء في الصين، فقد خرجت علينا التحليلات والتفسيرات من كل حدب وصوب. وكلها تتعلق بالربط بعقلية المؤامرة أو بالقوى الغيبية ومأكولات الصين ونجسهم والعقاب الإلهي لهم ولغيرهم. وتم ربط الموضوع بقصص وروايات حبكت ليتم تصديقها. ولا باس من إدخال الأمريكان في هذه الأحجية من خلال المنافسة الصينية الأمريكية، وزادها سوءا تصريحات ترامب المغرورة المتسلطة الأنانية.

لكن الموضوع لم يتوقف عند حدود الصين، إذ يبدو أنها صدته وبدأت رحلة البراء منه، بل في انتشار الفيروس انتشار النار في الهشيم في جميع دول العالم دون استثناء وبخاصة المتقدمة. ورغم مكابرة الدول وزعمها، فإن عدد المصابين يزداد يوما بعد يوم بطريقة كبيرة وبطريقة مضاعفة وسيزداد. بل غدا حديث الموت الكوروني أمرا مطروحا في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وبأعداد كبيرة. ولم تستطع الدول ليومنا هذا وفي البعد المنظور، أن تجد وسيلة للدفاع ضد هذا الفيروس سوى الدفاع السلبي القائم على الانعزال البيتي والعزل الذاتي والبعد الإجتماعي بين البشر، وقتاله ومصارعته من خلال المناعة الذاتية. من خلال عدم المصافحة أو العناق أو التقبيل أو ما شابه من العلاقات الحميمية.

من هنا قامت الدول لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية بإجراءت صعبة التصديق والقبول، بل كان الكثيرون يعتقدون باستحالتها ولكنها غدت حقيقة واقعة. فها هي الموانىء والمعابر البرية والبحرية والجوية في دول العالم المختلفة، تغلق في وجه حركة النقل وفي وجه الرائح والغادي. وها هي الدول تنغلق على نفسها وتغلق حدودها، في حين كانت وبخاصة في أوروبا تتميز بحرية التنقل بين دولها، ولا تسمح إلا لمواطنيها بالعبور إليها. بل وصل البعض منها لفرض حظر التجول لتغدو تلك المناطق مناطق أشباح بعد أن كانت تعج بالحياة والضجيج. وليس بعيدا أن يكون هذا هو النهج السائد خلال أيام أو أسابيع في معظم دول العالم.

ووصل الأمر في كثير من الدول أن أوقفت جميع مظاهر النشاط الاجتماعي ، وحددت العدد المسموح باجتماعه بما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، بل المسافة المقررة بين الأفراد للحد من قدرة الفايروس على الإنتقال. فلا صالات مفتوحة ولا مقاه ولا دور عرض ولا مسارح ولا أماكن عامة ولا محطات قطار أو مترو ولا مطاعم ولا سيرك ولا أوبرا ولا حفلات دينية أو فنية. بل قامت الدول بخطوة خطيرة وجريئة تمثلت بإغلاق المدارس بجميع مستوياتها، وألحقت بها الجامعات والمعاهد ومقار الوظائف البلدية والحكومية. وتوقف الزواج والسفر والارتحال ليحل محله المكوث في البيت بل العزل في البيت أحيانا للمصاب، وكأن البيت سيسع كل هذا التراكم البشري.

وفي ظل كل هذا الفزع والجزع، تكاثر المصابون، وزاد المعالجون في المستشفيات، وارتفع عدد الميتين اليائسين. وهنا، تراخت الأسواق المالية وانهارت البورصات، وأغلقت المصانع والورش وغدا الخبراء يتحدثون عن أزمة اقتصادية ومالية عالمية خانقة. وهبط النفط هبوطا حادا، ورصدت الموازنات الضخمة علها تصلح أخطائها السابقة المتمثلة في النفقات العسكرية والأمنية، وبخلها الزائد على الصحة العامة ومشتقاتها، وعلها تقوم بجزء مما كان يجب أن تقوم به سابقا. بل إن بلدا كالولايات المتحدة الأمريكية لن يجد فيه المريض الفقير دواء ولا ملجأ ولا إسعافا ولا فحصا لفيروس الكورونا، لأنه لا يملك تأمينا صحيا. وغدا ما يمكن أن يحدث في المستقبل ضرب من الخيال والتكهن.

وما لبث هذا الأمر أن تصاعد إلى درجة إغلاق دور العبادة بشكل مؤقت حتى تزول هذه الغيمة السوداء الكالحة. ومن دور العبادة، المساجد والكنائس والكنس مؤقتا. وقد رفض رجال الدين ابتداء مثل هذه الإغلاقات وهذا الحظر على الحشد والتلامس في الصلوات، معتقدين ومؤمنين أن رب العزة والجلالة سيحمي مؤمنيه من أي ضرر أو فيروس، بل وصل الأمر إلى ان وصفت الفيروسات بأنها جند من جنود الله. ولا زال هذا الأمر محل جدل. وقد رفضت المدارس الدينية اليهودية رفضا باتا خطوة تحديد عدد المصلين.

في ظل هذه الإصابات المتلاحقة المخيفة بالمرض رغم بساطته، بدأ العالم يعي خطورة المرحلة وبؤسها، وبدأ المفكرون الصحيون وضع حلول مؤقتة في زمن لم يكونوا جاهزين له بل اختلطت عليهم الأمور. لكن المشكلة الخطيرة، تكمن في كيفية التصرف في ظل عدم وجود تجربة كورونا سابقة للقياس عليها أو البناء عليها. فالكل يبدأ من نقطة الصفر، وبالتالي كثرت الإجتهادات البشرية الصائبة والخاطئة.

لكن هذا الكل بدا حائرا في حجم الخطوة المقترحة فهم في وضع لا يحسدون عليه. فضلا عن أن النظام العالمي مريض ويجب التفكير باستبداله.

لكن أجمع الجميع على خطوة عزل المصاب لفترة ما، وبقيت المدة الزمنية والعلاج والفحص والدواء وانتقال العدوى قضايا للنقاش الساخن والعادات الإجتماعية . لذا كان من الصعوبة بمكان أن تضع أي دولة قرارا يقضي بوضع عشرات الآلاف من البشر قيد العزل الإنفرادي، والأصعب أن يتم فرض منع التجول ونزول الجيش إلى الشوارع والساحات وقطعا إغلاق المدن وقطع الإتصال بينها. هذه أمور لم تحدث إلا في الحرب العالمية الثانية وفي خيال كتاب ومخرجي أفلام الخيال العلمي.

ويجب أن تبقى عيون الفلسطينيين مفتوحة على أماكنهم المقدسة، فقد يغري الوضع القائم وتردد بعض المؤمنين في الدخول لأماكن مغلقة أو محتشدة، بعض المتطرفين الذين لا يرعون دينا ولا إيمانا ممن يقتحمون المسجد الأقصى، أن تسول لهم أنفسهم تنفيذ حلم لطالما راودهم.

ويبدو أن لا علاج للكورونا في المستقبل المرئي المنظور سوى العنصر البشري ذاته في تلقي الهجمة الفيروسية والدفاع عن نفسه دفاعا سلبيا. فاختراع دواء وطعم للتحصين سيستغرق وقتا طويلا إن اخترع. وفي ظل تزايد نسبة المصابين المتوقعة، بحيث تصل أربعة أخماس سكان الكرة الأرضية، لم يبق إلا الدفاع الذاتي السلبي. وفي ظل عجز المستشفيات عن استيعاب المرضى الذين يحتاجون لعناية مركزة تبدو الصورة سوداوية بل كئيبة للغاية. وتبدو العزلة الفردية علاجا فعالا.

في ظل هذا الوضع المأساوي يبدو لي أن التركيز في الدول يجب أن ينصب على الحقوق الصحية والإجتماعية العامة لأفراد أي مجتمع وهي حجر الأساس، وليس الموضوع الإقتصادي الفردي. وهذا مدعاة للتفكير بجدية على الزمن الطويل، بتغيير النظام العالمي القائم على الاستغلال والمنافسة البشعة. فعندنا تم التبرع بمبلغ سخيف يقدر بنصف مليون دولار للإغاثة والإعانة في هذ الكرب، ومثله حصل في دول كثيرة.

هذا درس يجب أن يستوعب ويتم التركيز على حق الفرد في الصحة العامة وحقه في التربية والتعليم والدراسة الجامعية وحقه في الرفاه الإجتماعي. وما على هذه الشركات الكبيرة على الأقل مؤقتا، إلا أن تساهم في صد هذه الهجمة الكورونية الشرسة، عبر دفع ضرائبها وتأمين عمالها بشكل عادل حتى يسمح لها بالعمل، فحب المال أصل الشرور جميعا، ونتمنى للجميع السلامة والسكينة والصحة والعافية في ظل عدم المصافحة والعناق والقبل!!