قراءة في نص "لست وحدك" للأسير علي جرادات...

قراءة في نص "لست وحدك" للأسير علي جرادات...

شجاعة المعاناة في فلسفة المواجهة خلف القضبان

بقلم: عيسى قراقع

"لست وحدك، ذاكرة حرية تتدفق" كتاب صادر عن مركز الدراسات الفلسطينية للصحفي الأسير علي جرادات الذي قضى اكثر من 14 عاما داخل سجون الاحتلال وما زال يقبع في السجن. أنه نص توثيقي وشهادة تاريخية صادقة وحقيقية عن واقع الأسرى في سجون الاحتلال من خلال تجربة شخصية ناطقة باسم الهم الجماعي للأسرى والأسيرات تجمع بين التاريخ الشفوي والشهادة الحية في مواجهة اضاليل الرواية الاسرائيلية وعنصريتها والتي تتجسد بكل وحشية خلف القضبان، في تلك الجبهة الخلفية التي تسمى ساحات السجون، حيث تدور الحرب الطاحنة والصامتة لتدمير انسانية الانسان الاسير.

النص هو شهادة دفاع ملحمي عن حرية الأسرى وكرامتهم من خلال ذاكرة تحولت الى محاكمة ضمير انسانية صارخة للاحتلال وجرائمه وطغيانه بحق شعبنا واسرانا، فالنص رفع الضحية الى مرتبة السمو، الضحية تتكلم وتشير الى دولة الاحتلال كدولة فوق القانون تنتهك كل القيم والاعراف الانسانية والاخلاقية، الضحية تلاحق المجرمين الاسرائيليين بقوة ارادتها وايمانها بعدالة القضية التي ضحت في سبيلها، الضحية لا تنسى، الضحية على موعد مع القتلة في المحاكم الدولية.

لست وحدك هو نص ثقافي أدبي وجزء من فكر المقاومة الفلسطينية، يكشف بطولات وابداعات الاسرى وتضحياتهم الكبيرة والذين استطاعوا في كل الظروف المريعة ان يحولوا السجن من مقبرة الى متراس وجامعة ومدرسة ، لتصبح السجون في مرحلة من المراحل منطقة استقلال ذاتي محررة، يقول علي: أصبحنا نسكن السجن ولا نسمح له ان يسكن فينا.

يتناول نص "لست وحدك" عدة قضايا ابرزها التعذيب كجريمة حرب مستمرة وممنهجة يتعرض لها الاسرى على يد المحققين الاسرائيليين، اساليب وحشية وسادية وانتقامية كشفها الكاتب في هذا النص بقوله: ادركت انني امام وحوش في هيئة بشر، ويتطابق وصف الكاتب مع ما قالته المذيعة الاسرائيلية كوتلر في القناة العبرية 13 يوم 16/2/2019 في وصفها جنود الاحتلال خلال تنكيلهم وتعذيبهم الاسرى وهم مكبلين بأن الاحتلال يحول الجنود الى وحوش بشرية.

المحققون الذين يمارسون التعذيب من اجل التعذيب وصفهم علي جرادات بالهمج الذين يعبرون عن صورة دولة الاحتلال البربرية والبهيمية الغارقة في العدوانية والفاشية، تنطبق عليهم نظرية داروين في التطور، قال علي للمحقق: ان الكائنات الحية كلما ارتقت في سلم التطور يزداد لديها استخدام دماغها ويقل استخدامها لاطرافها، ويقصد علي ان المحققين يتصرفون كالبهائم بالضرب والركل والرفس والبصق والشتم واللطم والهز، وهذا ما يسقط ادعاء اسرائيل بأنها دولة ديمقراطية ومتطورة وحضارية في المنطقة.

74 محققاً مروا على علي في مسالخ التعذيب خلال فترات اعتقاله، جاءوا من عصور ما قبل التاريخ، لا تنقصهم سوى جلود الحيوانات، وكانت اهدافهم تغيير هوية المعذب من متمرد الى خاضع والى ايصال الضحية الى اقصى حالات الضعف والتذلل وتجريدها من الصفة الانسانية، وعلى مدار 14 عاما في مسالخ التعذيب كان علي يقول للمحقق: اننا نحن الاسرى لا نسمح بأن تمس كرامتنا حتى لو كلفنا ذلك حياتنا.

كتاب لست وحدك يتعرض للاعتقال الاداري التعسفي الذي قضى علي تحت طائلته 12 عاما، ويتعرض كذلك لاعتقال الاطفال القاصرين ويكشف تواطؤ القضاء الاسرائيلي الذي وصفه علي مجرد ديكور لتغطية جرائم وانتهاكات الاحتلال وهذا ما قاله الكاتب للمستشار القانوني لدولة الاحتلال اليكيم روبنشتاين خلال زيارته للسجن: قضاؤكم مجرد ديكور وختم مطاطي لتبييض صفحتكم السوداء ولتزيين جرائمكم تحت شعار القانون.

نص لست وحدك اكثر من كتاب توثيقي، انه يبرز شجاعة المعاناة في فلسفة المواجهة خلف القضبان، بطولات وتضحيات، شهداء ودماء سجلها تاريخ الحركة الاسيرة من اجل الحرية والكرامة، قال المحقق لعلي: انتم العرب تولدون وايديكم الى الخلف، رد علي: بل تلدنا امهاتنا احرارا.

شجاعة المعاناة في نص لست وحدك اسقطت نظرية السجن بالمفهوم الاسرائيلي: القدرة على اجتياز الألم، للمعاناة معنى وحياة، فالاسرى احتفظوا بحريتهم الروحية رغم اهوال السجن وظروفه القاسية، هذه الحرية الروحية التي لم يستطع السجانون سلبها من الانسان الاسير، لهذا رأى علي عيني ابنته الصغيرة سجى في الصورة التي وصلته الى السجن تتحركان وتقول له: انا الحياة انا الحياة، وفي ذات الوقت رأى السجانين ليسوا اكثر من الات ومعسكرات وبنادق وابراج ومنظومات قمع كأنهم محشورين في منازل للاموات.

شجاعة المعاناة علمت الاسرى درسا هاما في المواجهة يتمثل كما يقول الكاتب بأن الصمود يبدأ قبل الذهاب الى مسالخ التعذيب، وذلك بتحصين الذات والعقل والانتماء بالوعي السياسي والفكري والثقافي وبأساليب ووسائل مقاومة الاعتقال والتحقيق، هذا الوعي المقاوم هو سلاح الاسرى على مدار كل السنوات السابقة في الدفاع عن انسانيتهم ومواجهة غطرسة الاحتلال واساليبه القمعية.

شجاعة المعاناة في نص لست وحدك هي سيرة الابطال الاسرى الشهداء و الاحياء الذين هم ليسوا وحدهم لأنهم ملتصقون بالتاريخ والهوية ومسيرة شعبنا المناضل، انها ثقافة الحرية والمقاومة التي يمثلها الاسرى كرموز لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، والكاتب هنا لا يعرف الاسرى بالمسجونين وانما هم الاسرى الاحرار الطليقين في الانسان وفي الكون، هم صوت كل مظلوم هب لرفع الظلم، كل مستعبَد انتفض على مستعبِد، المطلوب حمايتهم والسعي لاجل حريتهم والحفاظ على مكانتهم القانونية والانسانية من الاستهداف الاسرائيلي الذي يسعى الى تحويلهم الى ارهابيين وتجريم نضالهم الوطني وقتل روحهم الطليقة.

لست وحدك هو نص قانون نضال الجماعة: حين تتلاقى الارواح الحالمة يصبح تحقيق الحلم في عداد الممكن، وحين تتلاقى الارواح العطشى ينهمر المطر، لست وحدك وانت السجين من اجل حرية فلسطين التي تسير في دروب الجلجلة، فمعك كل الحالمين من البشر بزوال عتمة طالت، معك كل انسان يسيل من وجعه اغنية للفجر.