إلغاء الحقيبة المدرسية و بعدها المدرسة!

بقلم: حمدي فراج

منذ أكثر من عشرين سنة ، توقع الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي انه سيتم إلغاء الحقيبة المدرسية التي تثقل على ظهر التلميذ لكثرة ما يزج فيها من كتب ودفاتر ، ورأينا كيف تكون بعض الحقائب في بعض مدارس اقطارنا العربية تقارب اوزانها اوزان حامليها، مروجة انه كلما زاد وزن الحقيبة يزداد العلم الكامن في داخلها كمقدمة اولى لتوثبه الانتقال الى عقل التلميذ .

قبلها بنحو عشرين سنة، اي ثمانينيات القرن الماضي، أشار المفكر السوري جورج طرابيشي ان غالبية الاقطار العربية ألغت من جامعاتها مبحث الفلسفة، بصفتها مادة تفتح الآفاق نحو الكفر بالذات الالهية، لأنها وفق منطق الفيلسوف الاسلامي ابو حامد الغزالي مهيأة للضلال "الفلسفة اذا اقتصرت على الارضيات أنصفت، واذا تعدّت الى السماويات ضلت"، وكأن السماء ليست جزءا من الارض والارض ليست جزءا من السماء. وعندما شقت مركبة الفضاء ابوللو طريقها الى القمر ، خرج علماء الدين الاسلامي والمسيحي بقرار : لن يمروا .

لم يقتصر توقع غارودي على الغاء الحقيبة المدرسية ، بل على كل ما فيها ايضا من كتاب ودفتر وقلم ومبراة وممحاة ... الخ ، بل تجاوزت توقعاته الى إلغاء المدرسة ذاتها ، المكان الاكثر تكثيفا في حشو المواد في عقل الطالب ، حشوا لا يستقيم في تطوير آلية تفكيره وإبداعه ، وخص بالذكر المدرسة الفرنسية ، فماذا يمكن ان نقول عن المدرسة الصومالية او الخليجية او المصرية او حتى الفلسطينية .

الامر المحزن في توقعات غارودي التي تقضي ان يفضي العالم الغاء مدرسته ، وبالتالي مدرسيها ومدرساتها "الملقنون" ، انه لم يذكر الافضاء الى الغاء العنصرية من جنبات حياته وصفوف سكانه و شرائح أنسجته الاجتماعية والطبقية ، الامر المحزن هو ان تلغى المدرسة قبل الغاء التمييز العنصري الذي لم يعد مقتصرا على اللون والجنس والدين ، بل تعداه في الاربعين سنة الاخيرة الى التمييز بين الذكر والانثى ، وهو من وجهة نظر المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد تمييز عنصري بامتياز ، في الماضي لم يكن هذا التمييز ليأخذ هذه المكانة المتقدمة في كل مناحي حياتهما ، لكنه اليوم يبدأ منذ اللحظة الاولى لولادتهما ، بل منذ تخلّقهما في رحم امهما ، فتتقرر ألعابهما وغرف نومهما واسرتهما وملابسهما والوان هذه الملابس .

العنصرية الدينية لم تعد مقتصرة على المسلم والمسيحي واليهودي ، بل تعدته الى اكثر من طائفة في نفس الدين كالسني والشيعي في الاسلام ، رغم ان رسول الاسلام وقدوته لم يكن سنيا ولا شيعيا . قال لي مدرس مسيحي ان مدرسة مسيحية لاتينية في بيت لحم رفضت تعيينه لأنه من طائفة السريان المغايرة رغم كفاءته وتحصيله العلمي .

الصهيونية التي اقامت دولة اسرائيل على اسس مدعاة من الديمقراطية والمساواة وحقوق الانسان ، كشفت عن حقيقة وجهها العنصري البشع حين طالبت من الجانب الفلسطيني الاعتراف بيهوديتها ، ثم عندما فشلت ، صوت ممثلوها "الديمقراطيون" بالاغلبية الساحقة على يهوديتها، ما سيتطلب اليوم او غدا تنظيفها من الاغيار .