متى ستجري الإنتخابات في فلسطين؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

أعلن الرئيس محمود عباس في 26/9/2019 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنه حالما يعود للضفة الغربية، سيعلن تاريخا لإجراء الإنتخابات النيابية في فلسطين. وها نحن في أوائل شهر آذار من عام 2020 ولم يحدد موعدا لإجراء الإنتخابات النيابية الفلسطينية بعد. وما لبث الرئيس أن أعلن أنه بدون القدس وغزة لن تجري انتخابات برلمانية. وكانت المفاجأة في أن حماس أعلنت موافقتها على إجراء الإنتخابات النيابية حتى بدون انتخابات رئاسية. ونشطت اللجنة المركزية للإنتخابات في ذهابها وإيابها، وبعدها همدت انتظارا لقرار سياسي لتحديد موعد فعلي لإجراء الإنتخابات. وكان الموقف الأخير للرئيس عدم إجراء انتخابات نيابية، إذا لم يسمح لأهل القدس المشاركة في هذه الإنتخابات ترشيحا وانتخابا.

الإنتخابات النيابية الفلسطينية الأخيرة جرت في 25/1/ 2006، أما الإنتخابات الرئاسية فقد جرت في التاسع من شهر كانون الثاني من عام 2005. والجميع يعلم أن الإنتخابات الرئاسية أو التشريعية هي لمدة أربع سنوات على وجه التحديد، ويجب أن تكون دورية. والكل يعلم أن المجلس التشريعي انقسم مع انفصال غزة، وتعطل أعماله الذي انتخب من أجلها. وفي كل الأحوال وبعد انتهاء فترتيهما المقررة دستوريا بأربع سنوات، ثار جدل حول قضية التمديد لكليهما من عدمه ، ومدى شرعية هذا التمديد من عدمه، إلى أن بلغ الأمر أوجه بقرار غير دستوري من المحكمة الدستورية العليا بحل المجلس التشريعي.

وفي هذه الآونة الأخيرة جرت مياه وسالت مياه، والشعب الفلسطيني بدون انتخابات نيابية ولا انتخابات رئاسية، وبدون ممثلين شرعيين له عبر انتخاب حر سري دوري، وبدون انتخابات رئاسية حرة ومباشرة. وغدا الإنقسام حالة واقعية تمزق الشعب الفلسطيني بل غدا جرحا غائرا لا يحتمل الشفاء، إلى أن جاءت مبادرة الإنتخابات، لإحياء الأمل بعد ياس ومخاض شديدين.

فصل السلطات غدا قاعدة نقرأ عنه ولا وجود له لأننا أمام خلط ومزج بين السلطات. لا وجود لمحاسبة وزراء ولا مجلس وزراء، ولا مساءلة ولا تقديم حساب للمجلس التشريعي غير الموجود. لا تقديم موازنة ولا مشروع قانون بل خليط عجيب وندعي أننا لدينا أحدث النظم وأفضل الأفكار، ولبنة الدولة البسيطة غير مستقرة.

الشعب الفلسطيني يشعر بحرج شديد وبقلق بالغ، بل بحزن وغيرة معا، لأن شعوب الأرض جميعا، تجري انتخابات برلمانية ورئاسية ونقابية وبلدية في كل أنحاء العالم وليس هنا مجال لتعدادها، ونحن نتوارث المناصب بحجة أو بأخرى، بذريعة أو بأخرى، فبدل أن نقوم بتداول السلطة كما هو متبع في كل النظم الديموقراطية، وكما يفعل أي شعب متحضر في بقاع المعمورة، نبقيها قابعة على كراسيها محنطة دون حراك.

وضمن اتفاقيات أوسلو الباطلة أصلا، قدمت السلطة طلبا لإسرائيل بالسماح لأهالي القدس بممارسة حقهم الطبيعي بانتخاب أعضاء في المجلس التشريعي وترشيح من يود للعضوية. وأجلت السلطة الإسرائيلية بحث هذا الموضوع، بسبب إجراء انتخاباتهم المتكررة. وكأن انتخاباتنا يمكن أن تنتظر ولا ضير في ذلك، وانتخاباتهم مقدمة ولها الأفضلية والأولوية. وكأننا بحاجة إلى إذن إسرائيلي أو رخصة منهم وبخاصة بعد صفقة القرن وضم الأغوار والجولان.

على أية حال، فضمن الملحق الثاني من البروتوكول الخاص بالإنتخابات من الإتفاقية الإسرائيلية الفلسطينية المرحلية الموقعة في واشنطن عام 1995، إن كانت ما زالت نافذة أو غدت لاغية، توجد نصوص حول إجراء الإنتخابات في القدس انتخابا وترشيحا.

وبموجب هذه النصوص " سيقوم عدد من فلسطينيي القدس بالتصويت في الإنتخابات من خلال خدمات مقدمة لهم في مكاتب البريد في القدس وهي مكاتب البريد في كل من : شارع صلاح الدين؛ في شعفاط؛ في بيت حنينا؛ جبل الزيتون؛ شارع يافا. ويتواجد المراقبون الدوليون في مكاتب البريد تلك يوم الإنتخابات.

ولو فحصت هذه المكاتب وإمكانياتها، لوجدت أنها مكاتب عبثية، فهي ليست بذات قدرة استيعابية للمنتخبين بل هي عبارة عن مكاتب وهمية عاجزة عن تقديم هذه الخدمة على الإطلاق. فلو فحصت قدرة مكاتب شعفاط وجبل الزيتون وبيت حنينا، فلا تستطيع هذه المكاتب ان تخدم أكثر من اثنين في المرة الواحدة حفاظا على سرية الإنتخابات. وهذا سيثقل على المنتخبين وسيجعلهم عرضة للهجمات والتهديدات.

اضف، أن النص معيب من حيث صياغته، فهو يقول " عدد من فلسطينيي القدس" أي ليس جميع فلسطينيي القدس، وليسوا أغلبيتهم، بل عدد قليل منهم. والممارسة السابقة تقول أن معظم المنتخبين المقدسيين انتخبوا إما في العيزرية او في الرام وضاحية البريد.

بالقطع هذه ليست دعوة لإجراء الإنتخابات المقدسية خارج حدود القدس، بل لإعمال الضغط الدولي على إجرائها في المكاتب البريدية المخصصة لها وما فاض عن ذلك يتم في أماكن أخرى مخصصة لذلك الأمر شريطة أن تكون مؤمنة ضد انقطاع الكهرباء، كما حدث ذات ليلة فاستبدلت صناديق بصناديق وفاز من فاز وخسر من خسر، ثم عادت الكهرباء.

في زمن أخذت التكنولوجيا مكانتها وتقدمت بشكل لا يصدق، فلا يعقل أن لا يستطيع المبرمجون في علم الحاسوب اختراع آلية فقط للمقدسيين لاقتراعهم بشكل قانوني وسليم ولا يكتنفه التزوير. وفي ذات الوقت لا يعقل أن تتعطل العملية الإنتخابية الفلسطينية برمتها لأن الإسرائيليين رافضون لإجراء الإنتخابات في شرقي القدس لأنها تتعارض مع خططهم ومصالحهم ومع صرعة القرن. وبالتالي يفرض الإسرائيليون وصايتهم علينا وعلى خطواتنا ومصيرنا.

الإسرائيليون لا يريدون انتخابات فلسطينية مهما كان شكلها ومهما كانت نتائجها، فهم لا يريدون أن يروا حراكا ديموقراطيا. لا يريدون شرعية لأحد بل يريدون أناسا معينة غير منتخبة، حتى تبقى تتحجج بكونها الديموقراطية الوحيدة في المنطقة. ولا يعلمون أن الشرعية واكتسابها، لا تتأتى إلا عبر الإنتخابات، فزمن الإنقلابات والقوة العسكرية والقبيلة والعشيرة قد فات ومات.

الإنتخابات تعني ترجمة حقيقية للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وضخ دماء جديدة في الجسد الفلسطيني المرهق. في كثير من دول العالم يمكن أن يتم الإتفاق على عدد من الأشخاص لشغل مقاعد محددة في ظرف استثنائي. ألا يستطيع الرئيس بالإتفاق مع الفصائل أن يختار مجموعة من الأشخاص ليكونوا نوابا في المجلس التشريعي تماما كما قرر تغيير طريقة الإنتخاب إلى أسلوب التمثيل النسبي واعتبار فلسطين دائرة انتخابية واحدة.

تكتسب الشرعية عبر الإنتخابات السرية الدورية الشعبية، وبدونها تغدو السلطة فاقدة للشرعية، وتغدو واحدة من السلط البوليسية التي تجمع بين وظيفة الإدارة والتشريع والقضاء والتنفيذ، فليس في ميسور المرء استخراج الدم من حجر!!!