سباحة في بحر "فدائي عتيق"

بقلم : محمد الخطيب/ مخيم قلنديا

ابحرت أسماء في يم الفراق وصارعت امواجه فداهمته واذهلته فطاوعها فصار مدادا سكبته واصفة رفيق درب قد رحل جسده هناك ... وروحه ترفرف في كل جنبات المكان فاستلت يراعا يناجي العاشق البعيد .. القريب باسطة جناحيها تداعب الذاكرة كنسمة صيف ناعمة لتكون عنوان الوفاء لـ " عباس الغربي " في كتابها المعنون " فدائي عتيق" .

ذلك الرجل الذي عرفته وعرفت فيه كل ما أحب وهكذا بقيت الى ان رحل ... فقلت : لقد لمحت في سماء ايامي حبة جمان براقة كانت هي " أبو حمزة " "عباس الغربي " ذلك الرجل الذي تألفه مجرد ان تراه.

وديع الى حد التبتل، شامخ الى حد التمرد، هادئ الى حد التساؤل، يفوح من خجله عبق " العاطفة الثورية " وينسدل الوقار من على وجهه فيكسوه هالة من الإباء تظهر بوضوح في صمته المستنكف.

لاح في أفقه سعة مكان فما وجد الا حيز النضال، فاعتلى الصهوة وامتشق السنان وابى الا ان يلقيه حتى الرمق الأخير، جاعلا من لحن النضال وترا يعزف عليه أناشيد التحرر، وهكذا بقي الى ان كبا للوهلة الأولى – اعياه المرض – فكانت بداية فصل الرضيع عن مرضعته، فغاب عنها وهي مغذية لكبده الى ان سال لعاب روحه بعيدا عنها ولكنها في النهاية احتضنته ونام في حضنها قريرا مغمض الجفنين محايد اليدين .... نعم انه رحل جسدا لكنه بقي روحا ومنارا يهتدي به عظماء من عضوا على المبدأ بالنواجذ.

وبريشتها التي رسمت جوانب من حياته أخرجت لوحة سريالية، كلما نظر اليها العاشق يرى فيها شيئا جديدا يخلب لبه. فلم تكن أسماء أبو عياش هيافة ولم تكن ركيكة وفي الوقت ذاته نأت عن التمجيد والاطراء، فلامست الواقع دون مداراة وافاضت عليه لمسة حب الزوجة لرفيق دربها دون اسفاف.

ولعل من الجدير بالانتباه ان الكاتبة لم تغفل دور الرفاق الاخرين سواء من رحلوا ام من ما زالوا على قيد الحياة مازجة " الزمكانية " بزهو الرهوان تسير بين الزمان والمكان بتيه وقور ورصانة عز نظيرها.

فتطل بين الفينة والأخرى من شرفات الحدث ساردة باقتضاب كل ما ترويه ذاكرة الزمكانية عن شهيد العشق فتهادت عليها بتلات السكينة.

صدفة كانت قد عرفتني بذلك الرجل ، فذات يوم مضى وبتاريخ 17 اذار 2001 نشرت لي صحيفة "القدس" مقالا تحت عنوان :"انابيش العنصل " ذلك المقال الذي استحوذ على الكثير من استحسان المهتمين الذين شكروني بحرارة على ذلك المقال لما له من وقع على نفوس الكثير من المتابعين والقراء والمثقفين والسياسيين وغيرهم . وكان من بين أولئك صديقي الذي رحل " أبو حمزة " اذ ارسل لي رسالة عبر " الفاكس " وقت ذاك ودعاني الى مكتبه حيث التقينا هناك وتوطدت صداقتنا وبقينا كذلك الى ان كبح دولاب الحياة عمره والذي طالما تمنيت ان يكون اكثر امتدادا .

ولكن هيهات .. فأقدارنا ليست بأيدينا.

اواه يا صديقي كم افتقدك، لكن عزائي انك تركت فينا من يخلدك " زوجتك "أسماء أبو عياش " " ام حمزة " رفيقة عمرك التي ابقتك حيا بين ظهرانينا ، فلقد رحلت انت جسدا لكنك بقيت في القلب والوجدان "فدائيا عتيقا " فالعتيق يا صديقي كلمة تعني " الكريم " والعتيق يا صديقي كلمة تعني " الخميرة " ، فأنت خميرة كفاحية وكريم الأصل والمحتد .