عن طالبان وفن التفاوض.. وأميركا «الهارِبة» من أفغانستان

بقلم:محمد خروب

أن يقول ترامب انه سيوقّع اتفاق سلام مع حركة طالبان الأفغانية (إقرأ الإرهابيّة في القاموس الأميركي) يوم 29 الجاري, لا يعني سوى الاعتراف بهزيمة أميركيةٍ مُدوية, على يد «طُلاب الدين» الذين جرّدت واشنطن أساطيلها البريّة والجويّة لسحقهم, باعتبار الحرب التي دشّنها بوش الابن على أفغانستان, حرب «ضرورة» استدعتها أحداث 11 أيلول 2001 التي أرادتها عصابة المحافظين تدشيناً لقرن أميركي مُتوَهم (القرن21) وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة.

الأمر الذي شجّعهم بعد عامين فقط على غزو العراق, بهدف بناء «شرق أوسط جديد» يؤسّس لحِقبة الأسرَلة والصهينَة التي بدأت في مؤتمر مدريد 1991 ثم لاحقاً في اتفاق أوسلو, وكان السادات المُؤسّس الأول - بامتياز - لنظرية الأمرَكة بزعم ان في ايدي واشنطن 99% من أوراق حل الصراع, فإذا بالأوراق هذه تنتهي بـ«صفقة القرن» كترجمة حقيقية للصلح المُنفرد الذي أبرمه السادات للبدء بانفراط المنظومة العربية, وبداية عصر التطبيع وإعلان «التعب» العربي من القضية الفلسطينية، حيث «الراحة» المُتوخّاة لا تكون إلاّ بالقفز إلى قطار التطبيع المُتسارِع الخطوات هذه الأيام.

ما علينا.. أنجزت طالبان انتصاراً عَجِزت عن أقلّ منه حركات تحرّر وطنية (وليست دينية ذات ايديولوجية ظلامية كما طالبان وأشباهها), حيث لم تكد (الحركات الوطنية) تُحرِز بعض التقدّم المتواضِع حتى «تعبت» وراحت تتوسل وقنوات ودهاليز دبلوماسية, لم تلبث أن قدّمت تنازلات جوهرية مقابل اعتراف أولي, ادّى لفقدانها معظم أوراقها ولم تنل سوى الصفعات والركل وجوائز ترضية «شخصية» ومتواضِعة, على النحو الذي تجلّى فلسطينيّاً.. كمثال, ما هو عليه الآن المشروع الوطني الفلسطيني, في ظل هجمة صهيوأميركية عاتية تريد الخلاص وبضربة قاضِية, من عبء قضية استطالت لقرن من الزمان, ما كان لها أن تتواصل وتستمِر وتأخذ موقعها المُتقدّم على جدول الأعمال الوطني العربي بل العالمي, لولا بسالة الشعب الفسطيني وارتفاع منسوب النضال والبذل لديه، لكن «ألاعيب» وفهلوة معظم قياداته أوصلته الى الحال البائسة التي هو عليها مشروعه الوطني.

لا نهدف الإشادة بطالبان أو التنويه إلى مشروعها السياسي وخصوصاً الاجتماعي و«الدوليّ», وهي حكمَتْ سنوات معدودات بعد اطاحتها نظام نجيب الله، ثم أطاحها الغزو الأميركي الذي دمّر أفغانستان وأعادها إلى ما قبل العصر الحجري, بفضل الهمجية الأميركية المعروفة منذ أباد المُهاجرون البيض سكان أميركا الشمالية الأصليين, وصفحات التاريخ حافلة بارتكابات وجرائم الحرب الإنسانية التي قارفها الأميركيون البيض. لكن الانصاف يستوجب الاعتراف بقدرة هؤلاء «الحفّاة» على إجبار/ تركيع القوة الأعظم, ودفعها مُرغَمة طلب الجلوس لطاولة المفاوضات, دون تقديم تنازلات جوهرية، ما سيفضي لانسحابها الذليل من تلك البلاد المنكوبة ولو بعد ثلاث إلى خمس سنوات, رغم أنها ستسحب خمسة آلاف من قواتها فوراً.

ولم يكن تنازلاً من طالبان موافقتها بدء مفاوضات مع حكومة أشرف غني المدعومة أميركياً, لأن موافقتها جاءت «بعد» اتفاق مع واشنطن وليس قبله, كما «اشترَطتْ» الأخيرة ثم.. رَضخَتْ.



عن "الرأي" الأردنية