ألدولة الفلسطينية... الاعترافات وما بعدها

بقلم: محمد خالد الأزعر

يقال إن الأوساط الاتحادية الأوروبية تشهد راهناً تناظراً وحراكاً سياسياً، بشأن مبادرة للاعتراف الجماعي بالدولة الفلسطينية تطبيقاً لحل الدولتين في حدود العام 1967، الذي يلقى قبولاً لدى معظم القوى الفاعلة في جهات الدنيا الأربع.

ومما تأكد بالخصوص، استئناف الدبلوماسي الأريب جان أسيلبورن، وزير خارجية لوكسمبورغ، لجهوده التي بدأها في ديسمبر الماضي، من أجل استحثاث الشركاء الاتحاديين وإقناعهم للإقدام على هكذا خطوة.

سوابق المداخلات الأوروبية، القومية منها والاتحادية، على خطوط التسوية الفلسطينية، توجب الحذر من الإفراط في التفاؤل إزاء احتمال نجاح مساعي أسيلبورن وأنصاره.. ذلك لأن المحددات التي حالت مطولاً دون دور أوروبي فاعل في مضمار هذه التسوية، وأبرزها الاختلافات البينية والرفض الإسرائيلي والممانعة الأمريكية، ما زالت على حالها إن لم تكن قد أصبحت أكثر صلابة وغلواً.

مع ذلك، لنفترض جدلاً أن القوم في بروكسل تخلوا عن أردية التردد والحيرة وعملوا بنصائح أسيلبورن وتوصياته.

عندئذ، سوف يحتفي الطرف الفلسطيني ما وسعه الاحتفاء بهذه الاستفاقة؛ التي ترسخ أقدامه وحقوقه عميقاً في المجال الدولي.

لكن هذا التحول سيظل فارقاً على الصعيد النظري، شأنه شأن غيره من الاعترافات الأخرى، ما لم يقترن بضغوط فعّالة تساهم بقوة في إزاحة الاحتلال الإسرائيلي، وانتزاع مظاهره جذرياً من أحشاء الدولة الفلسطينية في البر والبحر والفضاء.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه بحلول نهاية العام 2019، كانت فلسطين قد حصلت على الاعتراف بها كدولة غير عضو من جانب الأمم المتحدة.

وبصفتها دولة تقع تحت الاحتلال، تحظى فلسطين راهناً بالرضا والقبول والتمثيل الدبلوماسي من جانب 138 دولة، وبلغ الترحيب العالمي بها حد إفساح مقاعد لممثليها في 22 منظمة، تعد الأرفع مقاماً ومكانة إقليمياً ودولياً على سطح المعمورة.

هذا علاوة على مشاركتها في أكثر من 80 اتفاقية عابرة للأقاليم والعوالم، تعنى بكل ما يشغل خلق الله وحيواتهم، كحقوق الإنسان والقوانين الجنائية وقوانين البحار والبيئة والعلاقات الدبلوماسية والثقافة، والتجارة والتنمية المستدامة والتحكيم ونزع التسلح والاتصالات والنقل والمواصلات..

في كانون الثاني الماضي، انتهت رئاسة فلسطين لمدة عام كامل لمجموعة الـ77 زائد الصين؛ التي تضم ما يقرب من ثلثي دول العالم، وبين يدي هذه المناسبة، نالت الدبلوماسية الفلسطينية إعجاب الدول الأعضاء، كونها أدارت الملفات والقضايا ذات الصلة باقتدار ملحوظ.

القصد، أن فلسطين موجودة وحاضرة في مساحات الأعمال والقضايا والهموم الإقليمية والدولية، بحيثيات ومداخلات قوية.

غير أن هذا البروز والإشعاع، يبقى موصولاً بدولة تخضع للاحتلال.

هذه حالة ينبغي أن تثير العجب والدهشة، إذ كيف لكل هؤلاء الشركاء وهذه الشراكات من الدول والتنظيمات، أن يعجزوا جميعاً عن أداء مهمة نبيلة، كان يتعين عليهم وما زال الاضطلاع بها؛ هي تحرير هذه الدولة الواعدة بإضافة إيجابية لمنظوماتهم؟! ولا ينقص حجم الدهشة والمرارة، حين نستحضر الاهتمام واسع النطاق بمسار القضية الفلسطينية ومصيرها، الذي يعبر عنه، بلا حصر، تخصيص أكثر دول العالم ومنظماته فعالية وسطوعاً لممثلين عنهم في متابعة «عملية السلام والتسوية في الشرق الأوسط».

نحسب أن كلمة السر في هذا العجز والقعود تراوح حول الاكتفاء بتوصيف الحالة والعرض والمرض، والإحجام عن تقديم الترياق والدواء الشافي.

الاعتراف بدولة فلسطين من قبل الأوروبيين وغيرهم إجراء بالغ الأهمية، كونه يدحض نسبياً الرواية الصهيونية الإسرائيلية من جانب ويستجيب، نسبياً أيضاً، لقواعد العدل والإنصاف القانونية والتنظيمية الدولية من جانب آخر.

لكن التوقف عند هذا الإجراء وعدم اتباعه بمعاقبة الدولة القائمة بالاحتلال، يعني الاعتياد على الأمر الواقع وربما تثبيته.

بعد تقديم الامتنان وشعائر التقدير للقوى المعترفة، ولتلك التي تراودها أحانين الاعتراف، بفلسطين الدولة، يجب الإلحاح على الجميع لأجل اتخاذ ما يلزم لانعتاق هذه الدولة والعمل على إبحارها حرة مستقلة في المحيط الدولي.

ذلك ما حدث ذات حين مع نظام الأبارتيد والفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ الذي لم ينحن وينهار ثم يأفل إلا عقب تضييق الخناق على رقبته عملياً، بالنبذ والمقاطعة وفرض العقوبات مادياً ومعنوياً.

عن "البيان" الإماراتية