هل يمكن اختراق المجتمع الإسرائيلي حقا؟!

بقلم:سري سمور

كان علي سالم (توفي في 2015م) كاتب مسرحية (مدرسة المشاغبين) من أشد الداعين إلى التعامل مع المجتمع الإسرائيلي (بنظرة إنسانية) بعيدا عن مخرجات مرحلة انتهت –كما يعتقد- اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني.

ولد وصل به وهمه وتصوره إلى نشر كتاب (رحلة إلى إسرائيل) في 1994م روى فيه تجربته الشخصية بدخوله فلسطين(إسرائيل وفق ما يعتبر) بسيارته، وبعيدا عن تفصيلات آراء المذكور الصادمة والشاذة، على الأقل في الوعي الجمعي العام، فإن ما يهمني منها في هذا المقال هو أنه كان في بعض مناظراته المتلفزة يرد على من يواجهه بوجود نمط عنصري استعلائي إقصائي متجذّر في التعليم والإعلام الصهيوني، موثقة لا تحتمل أي تأويل أو إنكار؛ بأن علينا أن (نشتغل على الحتة دي) أي –كما يوضح- أن نتحاور مع القوم ونقول لهم هذا لا يصح، فاحذفوا وصححوا وعدّلوا...ولا يهمني أيضا في هذا المقال مناقشة قناعات الرجل الشخصية هذه؛ بإمكانية إحداث اختراق في هذا المجال، بقدر اهتمامي بوجود تيار أو مدرسة أو طائفة أو مجموعة نخبوية (سمّها ما شئت) تؤمن بأن هذا ممكن، وإذا لم يكن ممكنا، فإن هذا يتقرر بعد التجربة والمحاولات المكررة، دون كلل أو ملل...طبعا كل المحاولات والتجارب فشلت وحازت صفرا مكعبا مع مرتبة (...) الأولى!

نحن نعرف بعضنا

ليس بين كل العرب والمسلمين، بل بين كل أهل الأرض، من يعرف اليهود الصهاينة المغتصبين (بتعبيرهم الساكنين أو المواطنين الإسرائيليين!) لفلسطين أكثر من الفلسطينيين المرابطين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بحكم طول مدة الاحتكاك المباشر، والذي كان وما زال مصبوغا بالدم والسطو والعدوان ، ومن الحقائق أيضا أنهم يعرفوننا جيدا، وربما حتى أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا، ولا أتحدث هنا عن عامتهم، الذين قد يغلب عليهم الجهل والتنميط الغبي المغالي بسطحية خرقاء، ولكن أتحدث عن مؤسساتهم العسكرية والأمنية وهي التي تمسك بالملف الفلسطيني خصوصا وملف الصراع عموما، من كافة أطرافه، وترفدها مؤسسات ومراكز بحثية مهنية وإعلامية تعمل وفق منظور أمني صرف، وهؤلاء هم من يخطط ويقرر وينفذ.

مجتمع شاذ تماما

مرّ على النكبة الفلسطينية (72 عاما) وهو عمر الكيان العبري، ويفترض أن هذه مدة كافية، في أي مجتمع أو دولة طبيعية، لحدوث نوع من الاندماج أو لنقل التفاعل الاجتماعي، فمن ولد وقتها وما زال حيّا يعيش خريف عمره، وأجيال ولدت وشبّت وشابت...لكن ما زال كل شيء تقريبا وكأننا غداة النكبة بأيام.

ولن أتحدث هنا عن المناطق المحتلة سنة 1967م ولا عن المدن والقرى العربية داخل ما يسمى الخط الأخضر، بل لنسلط الضوء على عينة تصلح حالة حاكمة على طبيعة الحال جملة وتفصيلا؛ وهي (المدن المختلطة) أي المدن الفلسطينية المحتلة في سنة 1948 والتي بقي فيها سكان عرب؛ فلو نظرت إليها ستجد أننا نتحدث عن مجتمعين مختلفين تماما؛ حتى لو كان هناك تأثر فيما يتعلق ببعض مفردات اللغة أو اللباس أو سلوكيات فردية معينة...وهذا أوضح دليل كاشف عن طبيعة المجتمع اليهودي الصهيوني.. حيث الانغلاق التام والتقوقع على الذات.

علما بأن من طباع العرب عموما، والفلسطينيين خصوصا، الانفتاح الإيجابي الاجتماعي، والتعامل بعادات الضيافة-وهذا تم استغلاله من قبل العصابات الصهيونية قبل النكبة ومن مخابرات الاحتلال بعدها- والمبالغة في التلطف مع الغريب المختلف معهم في الدين والثقافة واللغة...هذا التنويه هو بمثابة الرد سلفا على من قد يفسّر الحالة بأن عدم الاندماج أو التعايش مرده هو العربي الفلسطيني المسلم أو المسيحي، ذلك أن اليهود الصهاينة بأجيالهم المتعاقبة يعيشون وضعا ليس طبيعيا؛ فهم ليسوا ضيوفا ولا مهاجرين فروا بدينهم أو طلبا لحياة أفضل في بلد آخر، بل أخذوا البلاد بالسطو والقتل والتهجير، وبالتالي تظل الهواجس والقلق تستوطن أعماقهم؛ حتى ولو كان من المنكوبين من لديه استعداد لنسيان أو تناسي الماضي ومحاولة التعايش مع واقع شاذ مضى عليه ردح من الزمن...هيهات هيهات.

الجيتو وعقدة التفوق

إن مقولة نقل (الجيتو) الذي عاشت ضمنه مجموعات من اليهود في أوروبا إلى هنا تبدو معقولة؛ بفارق جوهري وهو أنهم هذه المرة هم صنعوه وفرضوه على أنفسهم، ثم حوّلوه إلى قلعة حصينة أسوارها محروسة بجيش يملك قنابل نووية، إضافة إلى أحدث الأسلحة التقليدية الأمريكية وأشدها فتكا.

فالعقلية التلمودية التي تكوّن وعي الصهيوني (المتدين والعلماني على حد سواء) تقوم على الاستعلاء والنظر بفوقية وازدراء تجاه (الغوييم) يضاف إليها الشعور الطاغي بالتفوق النوعي؛ فهم يرون بأنهم يحوزون قوة عسكرية هائلة، وحماية دولية لا مثيل لها، وتطورا علميا وتقنيا ونظاما سياسيا يعد في قمة الديموقراطية الحقيقية مقارنة مع محيطهم، وأنظمة وقوانين تسري على الجميع، وتتيح محاسبة أكبر مسؤول، فيما من حولهم على نقيض ذلك؛ فحدث في نظرتهم إلى الآخرين نوع من تزاوج خليط خاص من المحال والعبث التفكير بإمكانية تغييره بحوار أو لين جانب أو سعي للتأثير فيه؛ هذا الخليط يمزج بين عقائد دينية تزدري الآخرين، مع شعور بتفوق استعلائي بحكم ما يملكون من أدوات مادية وعلمية...وفوق ذلك طبيعة العقل الأمني المتوجس الذي يحكمهم ويضبط حياتهم؛ فمعروف أنك لو سألت أحدهم عن أي مكان ولو كان بجواره فسيدعي عدم المعرفة، وكل شيء عندهم(مواصلات وطرق وغيرها) يخضع لنظام الترميز الصارم.

ولا ننسى أن اليهودية ديانة غير تبشيرية، وهي أقدم من المسيحية والإسلام-بغض النظر عما لحق بها من تبديل- إلا أن عددهم في العالم لا يتجاوز 16 مليون لأنهم يؤمنون بتفوق العرق والجنس.

جيش وأمن ووظيفة محددة

لدى القوم هوس بتجنيد الآخرين للعمل كجواسيس عند أجهزة مخابراتهم؛ لدرجة أنهم قد يطلبون ممن قتل منهم عددا سيحكم عليه بالسجن مقابل كل قتيل مؤبد، أي يفترضون أنه سيموت في السجن، يحاولون أن يجندوه للتجسس على زملاءه الأسرى وقس على ذلك؛ فهم لا يقيمون وزنا لأي أبعاد أخرى غير الأمن بطريقتهم، وليس الهدف فقط جمع المعلومات، فقد يجندون في مكان واحد مجموعة جواسيس لا يحتاجون معلوماتيا إلى عُشرهم، ولكن بهدف تدمير شخصية الآخر وتحويله إلى عدو لمجتمعه.

وأكثر مؤسسة لديهم تحظى بالاحترام والتقدير حدّ التقديس هي مؤسسة الجيش؛ وهو المؤسسة التي ينخرط فيها ذكورهم وإناثهم؛ واليهودي الشرقي مع الغربي مع الأثيوبي، أي إضافة إلى دور الجيش العملياتي، الذي هو مالك دولتهم الحقيقي، فإنه الناظم لفسيفساء مجتمعهم، ومن يخدم في الجيش سيكلف بإذلال الناس على الحواجز أو إطلاق النار أو القصف أو الاعتقال، مع تعبئة عنصرية عدوانية، لا تفلح معها حوارات أكاديمية عن سلام وتعايش وغير ذلك، بدليل ازدياد التطرف وترسخ قاعدة عند كبيرهم وصغيرهم (ما لا يأتي بالقوة سيأتي بمزيد من القوة!) ومزايداتهم على بعضهم عنوانها الرئيس هو كم آذيت الفلسطينيين والعرب؛ وتفاخرهم في ذلك بكل أحزابهم السياسية؛ فمثلا إيهود باراك تفاخر بتنفيذ عملية فردان وبأن أدمغة القادة الفلسطينيين تطايرت على قبعته حين أطلق النار عليهم!

إضافة إلى ذلك؛ هذا كيان له وظيفة محددة من القوى الإمبريالية، وهي أن يكون رأس حربة وشوكة في حلقنا، وليس لينقل إلينا العلوم والاختراعات، مقابل أن نشركه في الثروات، مثلما نظّر بعضهم، فهذا قصور في فهم دور ووظيفة الكيان المرسومة له، والتي لن تتغير بوجود بعض الأفراد أو الجماعات داخله تقول كلاما يدغدغ عواطفنا.

يورام بنور ويوسي بيلين

الصحفي الإسرائيلي يورام بنّور يتحدث ويقرأ ويكتب اللغة العربية، وقد نشر كتابا عن تجربته عندما تنكر بزي وهوية فلسطيني من الضفة الغربية وانخرط في بني جلدته ليراقبهم وهو بهذه الحالة بعنوان (عدوي نفسي) ولا مجال لذكر كل محاور الكتاب ولكن في سياق العنصرية الفائقة، ذكر أنه عندما تنكر وعمل نادلا في مكان ما، دخل إلى حيث كان يغسل الصحون أو ما شابه رجل وامرأة (يهوديان) ليمارسا العلاقة بعيدا عن الأعين، ولكن ليس أي أعين، فقد فعلا فعلتهما وكأنه غير موجود، ويتحدث عن شعوره بالهوان من هذا الازدراء...فهم لا ينظرون إلى العربي كإنسان مثل الآخرين، وكأنهم يفعلان ذلك أمام قط أو حتى حشرة!

من جهة أخرى يتحدث بنور عن خدمته في الجيش وكيف أنه في مدينة رام الله اعتدى بالضرب المبرح، على طفل يلعب بجوار منزله، أمام والد الطفل، أثناء حظر التجول-هذا قبل انتفاضة الحجارة حتى-لدرجة أن ما فعله اعتبر قسوة من قبل أحد الجنود تحت إمرته...وهذا مؤشر آخر على طبيعة هذا المجتمع؛ فحين تكون جنديا أو ضابطا هذه هي مهمتك وهذا دورك، بعد ذلك يمكنك أن تقول وتكتب ما تريد-وفق ضوابط أمنية صارمة طبعا- وأن تتنكر بزي عربي لإجراء بحث ما...بل إن يورام بنور قال بأنه انسل من تجمع يهود متدينين في القدس ينشدون نشيد (الأمل، هاتيكفاه) أي ما يوازي (السلام الوطني) وكتب في كتابه (أملهم هم وليس أملي أنا!) طبعا هذه عبارة لا يمكن أن يكتبها أو يتفوه بها أي فرد في أي دولة عالمثالثية، وسيوصم بالخيانة والمسّ بما يعتبر مقدسا، وقد يسجن بسببها، ولكن لا بأس في (الورشة) الإسرائيلية فيورام أدى دوره بل تفنن فيه وضرب طفلا بمبادرة منه-كان بإمكانه التغاضي والاكتفاء بأن يقول له أدخل المنزل فقط- ولكن كثيرا من العرب لا يفهمون هذه الورشة لأنهم يسقطون مفاهيمهم وطبيعة مجتمعهم ودولهم (أو شبه دولهم) على هذه الورشة المختلفة جذريا في نشأتها وتركيبتها ووظيفتها الاستراتيجية.

أما يوسي بيلين فإن المفكر الراحل إدوارد سعيد في معرض انتقاده لمؤتمر أو إعلان كوبنهاجن(أواخر 1997م) والذي ضم شخصيات إسرائيلية وعربية أغلبهم من المثقفين، بهدف (تعزيز السلام ونبذ الإرهاب...إلخ تلك المعزوفة)، قال(سعيد) بأن يوسي بيلين الذي يعجب بعض العرب، خاصة من يشاركون في مثل هذه اللقاءات والمؤتمرات، دافع وبرر مجزرة قانا(المقصود الأولى في 1996)...طبعا بيلين يقول عادة كلاما يدغدغ العواطف ويشعر المستمع العربي بأنه يتبنى وجهة نظره إلى حد كبير، ولكن مع ذلك (الطبع غلب التطبع) فقد دافع عن جريمة بشعة مكتملة الأركان...استشهدت بإدوارد سعيد لأنه هو نفسه وهو صاحب الباع الطويل في فضح الكيان العنصري الصهيوني وظهيره الأمريكي، كان يتصور إمكانية التعايش و(الاعتراف التبادلي) وكأن بيلين المدافع والمبرر لمجزرة قانا وشارون صاحب المجازر المعروفة، هم أبناء مجتمع آخر!

البحث عن السراب والجري وراء المستحيل

ربما أطلت ولكن لو كان المجال يتسع لتوسعت أكثر، وأكتفي بما سبق مع التأكيد أن المجتمع الإسرائيلي ليس مجتمعا عاديا يمكن التأثير في ثقافته وبنيته الفكرية العنصرية، وهذا يشبه الاعتقاد بأن الدبور يمكن أن يجني رحيق الزهور لصناعة العسل، ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن من يصنع السياسة ويخطط ويطبق على الأرض؛ ليس كاتبا ولا أديبا ولا صحفيا يروق لنا كلامه، أو فنان أو حتى سياسي يدغدغ عواطفنا، وهؤلاء لم ولن يتحولوا إلى حكام للكيان وواضعين لسياساته وتوجهاته، ومبدلين لدوره ووظيفته، ولو حصل فسنرى أنهم كانوا يلبسون جلود الضأن فوق صدور الذئاب الجائعة.

وأكبر خدمة يقدمها أي منهم هي مغادرة فلسطين؛ فيهودي متطرف يحزم حقائبه ويرحل، هو أفضل من يهودي يزعم أنه (يساري) محب للتعايش ويؤمن بثقافة السلام يبيعنا هذا الكلام، ويتنفس هواءنا ويعيش في بيت طردنا منه، ويأكل من خير أرض هي لنا، قد يبدو الكلام محض عواطف وإنشاء، ولكنه واقعي وحقيقي بعكس نقيضه، ولا سيما أن التجربة المكررة عبر سنوات طويلة أثبتت أن تصوّر الكيان ومجتمعه كحالة على غير ما ذكرت أعلاه، هو بحث عن سراب وجري مهلك وراء المستحيل!