كيف لنا أن نخرج من هذا المستنقع ؟!

بقلم: فيصل أبو خضرا

عضو المجلس الوطني الفلسطيني

سؤال يطرحه كل فلسطيني في الوطن والشتات، على ضوء ما آلت اليه أحوالنا من مرحلة مصيرية... كيف لنا ان نخرج من هذا المستنقع الذي نحن فيه؟!

بداية وقبل كل شيء علينا ان نعترف بأن السياسة السلمية التي انتهجناها منذ ٢٦ عاماً لم تفض مع العدو الاسرائيلي الا إلى مزيد من الغطرسة اليومية المتصاعدة ، منذ اغتيال رابين، واستلام الثعلب بيريس الحكم، وهو المتطرف الذي زاد في الغطرسة وإذلال الفلسطينيين، ولم يعر اي اهتمام للقرارات الدولية، ومن ثم أتانا سيّء الذكر نتنياهو، زعيم المتعصبين اليهود، وبعده المجرم ايهود باراك الذي اغتال الكثير من زعمائنا من جميع الفصائل الفلسطينية، وأكثرهم من فصيل فتح، وأول هذه الزعامات الاخ القائد الشهيد خليل الوزير ( ابو جهاد) في تونس. باراك لم يحترم القوانين والقرارات الدولية ، ولم يحترم الأعراف القانونية، و من ثم جاء السارق إيهود أولمرت الذي بقي يماطل عمدًا لانه متطرف سياسياً فهو عضو سابق في حزب الليكود حتى دخل السجن بتهم فساد. ومن بعده عاد سيء الذكر نتنياهو بكل غطرسته وأحابيله مع حليفتة امريكا وكذب على العالم بانه رجل سلام، وأنه يوافق على حل الدولتين في خطابه الشهير بجامعة بار ايلان، ومن ثم تنصل من هذا ، وأعلن في احد خطاباته الانتخابية بانه لا يمكن ان يعترف بدولة فلسطينية.

و بالرغم من وقاحته وكذبه على الإدارات الامريكية المتعاقبة لم تحرك تلك الإدارات ساكنًا، وحتى عندما انتخب اوباما الذي وعد في خطاب عنتري بجامعة القاهرة في مصر بأنه في عهده لن يدير ظهره الى الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، الا انه وبعد عودته للبيت الأبيض أجبر من قبل دنيس روس وهو من قيادة اللوبي الصهيوني، على التراجع.

وللحقيقة يمكن ان نسجل لهذا الرئيس بانه لم يستعمل حق الفيتو قبيل الانتخابات التي فاز فيها ترامب ، وصوتت جميع الدول الأعضاء ما عدا امريكا التي امتنعت عن التصويت عَلى القرار ٢٣٣٤ الذي يعتبر الاستيطان باطلا في كافة الأراضي المحتلة بما فيها القدس المحتلة، واصبح هذا القرار ملزماً.

كما انه ومنذ عهد ترومان والى الان كان اهتمام جميع الرؤساء في امريكا هو تحقيق الصلح بين إسرائيل والدول العربية، دون اي اهتمام سياسي بالشعب العربي الفلسطيني، وهو الشعب الوحيد الذي بقي مظلوما منذ ٧٣ عاماً.

هذا مختصر وضعنا مع المحتل واميركا، وشكراً لآخر جاهل سياسياً وشيطان ماليا، ترامب الذي كان صريحا بقوله، نحن واسرائيل يد واحدة امام العالم و نفذ ما يريده زعماء الصهاينة وعلى رأسهم نتنياهو، الذي يكذب علينا وعلى العالم اجمع ويحظى بدعم عدونا الاول اميركا.

اليوم نحن على حافة الهاوية، اما الوقوف صامدين وكبرياؤنا محفوظة، او نقبل بحكم هذا العدو العنصري الى الابد. وحتى مقدساتنا الإسلامية والمسيحية فهي مهددة تحت الاحتلال وفي مقدمتها الأقصى، الذي يسعى متطرفو إسرائيل لتدميره وبناء هيكل سليمان المزعوم توراتياً مكانه علما ان هذه المزاعم تدحضها التوراة نفسها في سفر النبي حزقئيل، الذي نص على "ان هذه الأرض كنعانية، أبوها أموري وأمها حثيّة".

الشعب الفلسطيني وبكل مكوناته الاسلامية والمسيحية واليهودية، يقول نعم لليهودية الفلسطينية والتي لا علاقة لها بالصهيونية، وهم فعلاً احفاد نوح وليس الاشكناز الذين هم من العرق الآري.

ونظرا لخطورة ما وصلنا اليه فإنني أقترح التالي حسب رؤيتي المتواضعة بهدف مواجهة التحديات الماثلة أمام شعبنا وقضيته:

اولا: تغيير السياسة الفلسطينية،التي اتبعناها منذ العام ١٩٤٨م واستمرارنا بتقديم التنازلات لغاية يومنا هذا اعتقادا من انه بذلك يمكن وقف دوامة الحروب وسفك الدماء وتحقيق سلام قائم على اساس قرارات الشرعية الدولية.

صحيح القول بأن الاخ الرئيس المناضل محمود عباس، لم يتنازل عن الثوابت التي يجمع عليها الكل الوطني وقام ويقوم بجهود جبارة ونجح في الداخل في بناء بنية تحتية ومؤسسات دولة وكأنها مستقلة، كالقضاء والمحاكم وحتى المحكمة الدستورية ، وبناء المدارس والجامعات و المستشفيات، ووزارات عَلى مستويات عالية، بشهادة العالم أجمع، والجميع يقوم بعمله بمهنية عالية وأمانة،

إلا أنه يجب تغيير منهجية انتظار صحوة الضمير العالمي طالما لم نر اي دعم فاعل على الأرض امام هذا العدو الاسرائيلي الأميركي.

ثانيا: امام هذا الواقع المأساوي ، نقول للأخ الرئيس محمود عباس وبكل الاحترام والمحبة لهذا المناضل، الذي قال بشجاعة لا لترامب ومخططه التصفوي، ان يضع فعلاً خطة واقعية تعتمد أساسا على الجيل الشاب من ابنائنا وبناتنا، من فتح وجميع الفصائل والمستقلين، الذين هم على استعداد لمواصلة المسيرة لمجابهة هذا العدو الاسرائيلي وتنظيم مسيرات شعبية حاشدة في مختلف أنحاء الوطن المحتل. مسيرات يومية في جميع الاراضي المحتلة، بما في ذلك في كافة انحاء القدس، لإسماع صوتنا للعالم أجمع وللاحتلال ولنقل رسالة واضحة مفادها أننا لن نركع ولن نستكين واننا مصممون على انتزاع حريتنا واستقلالنا.

ثالثا: الشعب الفلسطيني يقدر ويثمن دور كافة الشخصيات القيادية ألتي خدمت القضية الفلسطينية على مدى عقود وخدمت شؤون شعبنا الداخلية والخارجية، ولكن الان يجب ان نعتمد على هذا الجيل الشاب وهم الحمد لله كثيرون كي يقوموا بدور رئيسي وبالعمل الجاد لمقارعة هذا العدو في جميع المدن والقرى والمخيمات، وهذا ليس لان اؤلئك الذين افنوا اعمارهم في النضال وخدمة القضية ليسوا مؤهلين، لا سمح الله، ولكن كباقي جميع البلدان المتطورة يجب إعطاء المجال للجيل الشاب من المتعلمين والناشطين وهم الحمد لله كثر، ولا مشكلة أبدا بهذا واكبر دليل على ذلك تعيين الاخ الدكتور محمد اشتية رئيسا للوزراء وهو يقوم بدوره داخليا وخارجياً وكذا تعيين غيره من الجيل الشاب. كما ان هذا يمكن ان يضمن استمرارية نضال شعبنا وإطلاق طاقات وإبداعات الجيل الشاب مسترشدين ايضا بخبرة وتجارب من سبقوهم.

رابعا: سحب الاعتراف بالعدو الاسرائيلي انطلاقا من عدم التزامه بأي اتفاقية وقعناها معهم، بل بالعكس داسوا على توقيعاتهم واعلنوا بوضوح انهم يسعون الآن لتنفيذ صفقة العاروالتحلل من اية اتفاقيات. صحيح انه من الممكن جدا ان يكون رد فعل اسرائيل سحب اعترافها بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وهي عمليا اليوم تحللت ايضا من هذا الاعتراف ، وعندها نكون قد عدنا للمربع الأول الى قرار التقسيم الاممي ١٨١ للعام١٩٤٧ وبهذا تكون مطالبنا ضمن القرارات الدولية، فالعدو الاسرائيلي لا يريد تنفيذ اوسلو ولا القرارين ٢٤٢ و ٣٣٨ للعام ١٩٦٧م. وهكذا نلغي جميع البنود الموقعة مع هذا العدو الجشع وخصوصا البنود التي يستفيد منها، ونعمل مثلما صرح به الأخ الرئيس محمود عباس، نسلم لهم المفاتيح ليقوموا بتحمل أعباء احتلالهم غير المشروع.

خامسا: رغم اهمية انهاء الانقسام الا انه وعلى ضوء العقبات الكثيرة لا يجب اهدار كل الجهود بهذا الشأن لانه ثبت مع الاسف ان بعض رموز حماس مستمرة في عرقلة انهاء الانقسام، ولنترك الباب مفتوحا اذا أرادوا فعلًا انهاء الانقسام وهذا لن يحصل الان، في الوقت الذي لا يمكن فيه تأجيل مواجهة صفقة العار الأميركية أو مخططات الضم الاحتلالية.

سادسا: تشكيل لجان وطنية متمرسة وقادرة على مقارعة الاحتلال وفق ما تبيحه الشرعية الدولية، في جميع أنحاء الضفة والاغوار، وليس هبات موسمية تعرض اطفالنا وشبابنا وشاباتنا للقتل بالقطاعي، بل ثورة سلمية حقيقية بالملايين يشارك فيها كافة أبناء شعبنا داخل الوطن مدعومة بتحركات وفعاليات ابناء شعبنا في الشتات وبدعم احرار امتنا العربية واحرار العالم.

صحيح القول بان هذا سيكلفنا الكثير من التضحيات، ولكن انتزاع الحرية والاستقلال لن يتحقق بالاجتماعات او الخطابات او انتظار تنفيذ وعود كاذبة او انتظار الفرج من الغير، ولا ببيانات الشجب والتنديد التي أدمن عليها البعض. ولنراجع مجددا كيف تحررت فيتنام والجزائر وغيرهما من اقطارنا العربية والعالمية.

سابعا: وضع النقاط على الحروف امام جميع الدول التي تعترف بنا ولا تنفذ القرارات التي وقعت عليها في جميع انحاء العالم، وحتى التي هرولت او على الاستعداد ان تهرول، كما يقول نتنياهو بأن اكثر الدول العربية لها علاقات سياسية وتجاريةمع اسرائيل، وإن شاء الله ان يكون كاذبًا كعادته، وكذلك الدول الاسلامية و روسيا والصين وأوروبا، ولتكن الصراحة واضحة فاذا كانوا كما يعلنون مع قضيتنا العادلة وليس بالكلام والبيانات فقط فإن عليهم الوقوف عمليا الى جانب نضال شعبنا والاعتراف بدولة فلسطين واتخاذ مواقف رادعة تجاه هذا الاحتلال. وللأمانة فان من الدول التي تؤيدنا بالفعل السعودية والكويت والأردن.

اما روسيا والصين وأوروبا فاننا نريد منهم التأييد بالفعل، وفرض عقوبات تجارية صارمة على العدو،

ثامنا: الاعلان رسميا على الملأ وبكل صراحة ووضوح من هو معنا بالفعل، ولديه الاستعداد لاتخاذ اجراءات فعلية كقطع العلاقات السياسية والتجارية والرياضية... الخ ومن هو ضدنا ومن يقف محايدا.

ونقول هنا لسيادة الأخ الرئيس محمود عباس إن شعبنا الفلسطيني يؤيدك ويثق بك ويدعم مواقفك الشجاعة في قول لا لصفقة ترامب، وفي قطع جميع العلاقات بالعدو الامريكي والاسرائيلي، وفي تمسكك بحقوق شعبنا الثابتة والمشروعة وسعيك الدؤوب لتحقيق تطلعاتنا للحرية والاستقلال، وكلنا أمل ان نخرج من هذه الدوامة المستنقع الذي أراد لنا ترامب ونتنياهو الغرق فيه، وطالما وصلنا إلى هذا المفترق التاريخي فإننا نتطلع إلى قيادتك لتحرك فلسطيني جديد قادر على قلب المعادلة رأسا على عقب اعتمادا على هذا الجيل الشاب وعلى أبناء شعبك الذين يقفون صفا واحدا خلف مواقفك الثابتة نحو الحرية والاستقلال والعودة.. والله المستعان.