تطبيع بلا ثمن!

بقلم: علي قباجه

سُئل أرسطو من يصنع الطغاة؟ فرد قائلاً ضعف المظلومين.

والضعف أحياناً يتكون نتيجة عوامل داخلية، من سوء حكمة وتصرف، وضعف بصيرة وعزيمة، تجعل العدو يستغلها؛ لنهش البلاد والعباد. الوهن الفلسطيني وصفّه المشتت، إضافة إلى الخطاب الرسمي الذي لا يرقى في أسلوبه للتصدي للمؤامرات، أوصل الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل إلى مرحلة فرض الوقائع على الأرض عنوة، دون خوف من التبعات؛ بل تجاوز الأمر إلى عدم التزام حكومة الاحتلال بـ«صفقة القرن» المنحازة تماماً لها، والتي وافقت عليها؛ لأنها تمثل فرصة تاريخية للكيان؛ حيث إنها لاحقاً جمدت بعض بنودها؛ بإعلانها الأخير بناء مستوطنة جديدة على أنقاض مطار قلنديا في القدس المحتلة، على الرغم من نص الخطة الأمريكية، على تحويل المنطقة ذاتها إلى منطقة سياحية فلسطينية.

إسرائيل بعدما احتفت بخطة الرئيس الأمريكي ترامب، التي هي في الأساس مجحفة، وغير مقبولة فلسطينياً وعربياً وعالمياً، رأت أنها لا تكفيها، وبإمكانها حصد المزيد بعدما أيقنت أنها بمأمن، عندما لم تجد عنفواناً فلسطينياً صارماً تجاه الخطة، فالتحركات الفلسطينية الشعبية والفصائلية كانت باهتة على المستوى الميداني؛ إذ لم ترق إلى مستوى انتفاضة يدفع الاحتلال فيها ثمناً من أمنه، أما على الصعيد الرسمي، فإن السلطة الفلسطينية التزمت بخطابها المعتاد، أي استجداء سلام لا يريده الطرف الآخر، وعرضت الرجوع إلى مفاوضات وهي تدرك أن نتيجتها «صفرية»؛ بل إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكد أنه لن يلجأ إلى «العنف»، في إشارة إلى المقاومة، ووصل الأمر إلى عقده مؤتمراً صحفياً في أعقاب خطابه في مجلس الأمن (الذي لم يكن مرضياً للفلسطينيين) مع رئيس وزراء الاحتلال الأسبق أولمرت، باعتباره «رجل سلام»؛ لاجترار موقف رافض منه ل«الصفقة»، علماً أن الأخير يمتلك تاريخاً متخماً بالفساد والحروب والقتل، ومخططاته الكبرى لتصفية القضية التي سربت في عهده غير خافية. وأُتبع هذا اللقاء بلقاءات تطبيعية أخرى؛ عندما شارك مسؤولون فلسطينيون باجتماع في «تل أبيب»، ولقاءات أخرى مع صحفيي الاحتلال في رام الله، وكل هذا التطبيع كان دوماً بلا ثمن ولم يعد بأي ثمرة لصالح الفلسطينيين.

«الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت»، هذا شعار قادة إسرائيل منذ تأسيسها، ولا يمكن أن يتغير، ويدعمهم في ذلك مجتمع الكيان بأكمله؛ لذا فإن تعويل السلطة على بعض قادة الاحتلال، الذين أوغلوا بالدماء، أو المراهنة على مجتمعهم؛ للضغط على حكومتهم للتعامل بإنصاف مع الحق الفلسطيني، لن يجدي نفعاً، والسلطة التي تسعى ليلاً ونهاراً لاستجداء السلام من الكيان الغاصب ينبغي أن تدرك أن سلامها إن لم يكن «سلام الشجعان» المستند إلى قوة مقاومة فلن تأبه له «إسرائيل وشعبها» وستظل تمارس سرقتها إلى أن تستنزف الأراضي الفلسطينية، ولن تجد يوماً -السلطة- حتى من يعترف فيها.

«صفقة القرن» وعلى الرغم من سلبياتها فإنها أظهرت مدى الحاجة لإعادة هيكلة طرح القضية الفلسطينية؛ حتى يعود لها زخمها المساند لها عربياً وعالمياً ولن يكون ذلك إلا عبر وحدة الصف الفلسطيني الداعي لسلام عزة لا سلام خنوع واستسلام.

بالاتفاق مع "الخليج"