"لجنة التواصل" إلى أين تسير؟

بقلم: شرين الخطيب:

تناقلت وسائل الإعلام المختلفة أخبار استضافة لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي وفداً من ممثلي وسائل الإعلام الإسرائيلية يوم الأحد الماضي الموافق 16/02/2020. وقد أثار انتشار الخبر ردود أفعال مختلفة على المستوى الشعبي، جاءت في مجملها سلبية.

شُكلت لجنة التواصل في العام 2013 تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وبمرسوم رئاسي من الرئيس الفلسطيني محمود عباس بهدف اختراق المجتمع الإسرائيلي، وبدعوى العمل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية من خلال الحوار والتواصل والنقاش مع المجتمع الإسرائيلي وشرائحه المختلفة وليس مع الاحتلال، وقد قامت بذلك على التمييز بين ما تقوم به كلجنة هدفها جمهور الشارع الإسرائيلي بكل مكوناته، حيث "اللغة العقلانية غير المتشنجة" بخلاف اللغة المستخدمة من قبل الجهات الإسرائيلية الرسمية، وبين التطبيع.

إلا أن معظم الفلس طينيين -باستثناء القلة القليلة- ينظرون للجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي على أنها وجه آخر للتطبيع مع الإسرائيليين، على الرغم من نفي القائمين على عمل اللجنة لهذه الفكرة ودفاعهم الدائم عنها، كما وتروج اللجنة لعملها على أنه ضد التطبيع، وأن منهج عملها قائم على الاشتباك السياسي مع مكونات المجتمع الإسرائيلي استنادا للشقين التاريخي والسياسي للمجتمع الفلسطيني.

وحقيقة ليس من السهل أن نفهم توقيت تشكيل اللجنة بعد الاعتراف بفلسطين كدولة ونيلها صفة "مراقب" في الأمم المتحدة، وما تبعه من اعتراف بها من قبل العديد من دول العالم، حيث أصبحنا بعد هذا الإنجاز أكثر قوة من حيث قدرتنا على ملاحقة إسرائيل على جرائمها بحق شعبنا من خلال القانون الدولي والشرعية الدولية وغيرها من الطرق الدبلوماسية التي أصبحت متاحة للدولة، وإن كانت على الصعيد النظري، ولكنها ملموسة دوليا، وهذا ما يتوجب على المنظمة والسلطة تركيز اهتمامها حياله.

اجتمعت اللجنة مع وسائل إعلام إسرائيلية في قلب مدينة رام الله، وفي قاعة متحف الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد أقل من 48 ساعة من اجتماع آخر كان عقد في تل أبيب لنفس الهدف، وهو مواجهة صفقة القرن. إلا أن أيا من نتائج هذين الاجتماعين لم تُنشر ولم يتم التعريف بمخرجاتها وما تمخض عنها من قرارات أو آليات لمواجهة "صفقة القرن" وهو ما يوسع مجال انتقادها من قبل المواطنين والاوساط التي ترفضها.

استمر عمل اللجنة منذ تشكلها بالرغم من المطالبات المتعددة من قبل اوساط فلسطينية مختلفة، ومن قبل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDC لحلها، ولكن عمل اللجنة استمر بالرغم من جميع الظروف المحيطة والاراء الرافضة لها، ودون ان تسجل اي إنجاز ملموس تستطيع من خلاله مُحاججة رافضيها والمطالبين بحلها به، فإلى أين تسير هذه اللجنة؟

لقد مضى على عمل اللجنة ما يقارب ثماني سنوات، وحتى الآن لم تحصد أي نتائج تمكنها من إقناع الشعب الفلسطيني بضرورة استمراريتها، والمتتبع للتجربة الفلسطينية يستطيع التمييز بعدم جدواها وعدم فاعليتها، فإسرائيل على المستويين الرسمي والشعبي لا تطمح للسلام كما يستدل من مختلف المؤشرات، لأنها دولة اعتادت الحياة في حالة اللا حرب واللا سلم، كما وأن التواصل مع المجتمع الإسرائيلي لم يُولد بولادة هذه اللجنة، بل سبق ذلك بأكثر من أربعة عقود من قِبل من راهن من القيادات الفلسطينية على دور المجتمع الاسرائيلي ومقدرته على قلب الموازين وتحقيق السلام عن طريق فتح قنوات اتصال وتواصل مع قوى سياسية إسرائيلية لها مواقف متفاوتة من القضية الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم لم تؤتى تلك المحاولات ثمارها.

وإذا اعتقدت لجنة التواصل بأن استمرار عملها ضروري، من منطلق أهمية فتح قنوات للحوار إلى جانب المقاومة المشروعة، فباعتقادي ان هذا يبدو رأياً غير صائب، فتجارب التاريخ شاهدة على خطأه، وإن كان الشعب على اختلاف شرائحه ومستوياته قد أدرك ذلك، فمن غير المقبول للقيادات أن تبقى تغفل عنه. فمنذ سبعينيات القرن الماضي لم يحدث ان استطاع المجتمع الإسرائيلي تغيير أفكاره وآرائه بالطريقة التي يمكن لها أن تحدث تأثيرا في الرأي الرسمي باتجاه إحلال السلام الإسرائيلي– الفلسطيني العادل، لأن إسرائيل لن تحقق السلام بناء على قرارات الشرعية الدولية والتجربة خير دليل على ذلك. كما وان استمرار عمل اللجنة يُفشل ما حققته حركة المقاطعة BDS من إنجازات على المستوى الدولي، من حيث تبرير المقاطعة، فكيف لنا كشعب أن نطالب العالم بمقاطعة الاحتلال الإسرائيلي إذا لم نلتزم نحن أنفسنا بذلك؟ فضلا عن أن استمرار عمل اللجنة يعطي مبررا أيضا لبقية الدول العربية للاستمرار في الهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل، كما جرى مؤخرا مع السودان، وهو ما تسعى إليه إسرائيل منذ زمن لإنهاء زمن العزلة الذي فرضه العرب عليها.

لا أظن بأن الاعتراف بفشل التجربة يمكن أن يحدث أي خلل، ولكن الاستمرار في الفشل، سيؤدي بالضرورة الى فشل أكبر وأعمق.