أوروبا وازدحام سوق المبادرات

بقلم: نبيل عمرو

النزاع الفلسطيني الإسرائيلي هو من أكثر النزاعات التي شهدها التاريخ غزارة، في مجال المبادرات ومشاريع الحلول.

لم يبق لاعب سياسي إقليمي ودولي ناهيك عن الفلسطينيين والعرب، إلا وقدم مبادرة للحل، بعضها كان تفصيليا ويصلح لإنهاء النزاع، وبعضها الآخر كان لمجرد ملء الفراغ بما تحتاجه الدول من مواقف كي لا تخسر أسهمها في شركة النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.

غير أن ما بدا غريباً وحتى غير منطقي، هو أن كثرة المبادرات كانت تؤدي إلى مزيد من الابتعاد عن الحل، حتى المبادرة التي حظيت بتطبيق عملي والمعني هنا «أوسلو» تم بترها في أول الطريق.

ما حول الآمال الكبرى التي علقت عليها إلى كوابيس وكوارث، إذ تم إخراجها من التداول لمصلحة صفقة القرن التي لو تمت مقارنتها بموضوعية وحياد مع كل المبادرات التي سبقتها لحازت بجدارة على وصف أسوأ وأخطر ما عرض في سوق المبادرات منذ بداية القضية الفلسطينية وإلى ما لا نهاية.

هنالك كلمة سر تختزل بدقة أسباب فشل المبادرات وتحولها إلى عكس ما هدفت إليه، وهي عدم وجود الدافع القوي والمستمر لدى أصحاب المبادرات في إنهاء الصراع، بل إن الدافع الأكثر تأثيراً وبشكل حاسم هو استثمار الصراع على نحو تكون إدارته والإفادة منه هي الأكثر ملاءمة للعبة تعظيم النفوذ في منطقة هامة لم يتوقف الاقتتال حولها ولو ليوم واحد.

غير أن عرض المبادرات لن يتوقف كما لم تتغير قواعد اللعب في أمر مردودها العكسي والذي سيبقى على حاله بالتأكيد، هو تواصل التدهور على الأرض، وتواصل الابتعاد عن الحل ومثلما حدث مع أول مبادرة سيحدث مع الأخيرة.

ما دعاني للتذكير بهذه الحقيقة البديهية، هو دعوة رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي السيد جوزيب بوريل لإطلاق مبادرة جديدة، وحين تطلع على الدوافع التي أوردها لإطلاق المبادرة العتيدة، فستكتشف أنها ذات الدوافع التي حددت السياسة الأوروبية من مسألة السلام في الشرق الأوسط مع خلوها تماما من آليات عملية تجعلها أوفر حظا من المبادرات التي سبقتها... مثل أوسلو. وخطة خارطة الطريق، حيث كانت أوروبا ممولة للأولى وشريكة في صياغة الثانية.

غير أن أوروبا التي تدفعها مصالحها وخبرتها في المنطقة إلى اتخاذ مواقف وسياسات أكثر اعتدالا من مواقف وسياسات الأميركيين، رضيت بحدود الدور الذي حدده الأميركيون لها، التمويل والمساعدة على إطفاء بعض الحرائق، ومن أجل مزيد من الإقصاء تم إنهاء خطة خارطة الطريق بإنهاء الإطار الذي أنتجها وهو الرباعية الدولية، التي كانت المدخل المتاح للتدخل السياسي لأوروبا وروسيا والأمم المتحدة.

ثم إن أوروبا جارة الشرق الأوسط والخبيرة في شؤونه وتفاصيل قضاياه، سوف تجد نفسها لو أصغت لمقترحات رئيس دبلوماسيتها في وضع أضعف من وضعها أثناء زمن الرباعية وخطة خارطة الطريق، فهي ذاتها واقعة تحت تأثير عدم انسجام مواقف وسياسات أقطابها إضافة إلى أن الأميركيين والإسرائيليين يتحفظون على أي دور أوروبي ذي طابع سياسي. دون النظر إلى محتوى الموقف حتى لو كان ممالئا لموقفهما.

الفلسطينيون الذين يعتبرون مجرد ذكر اسمهم في المحافل الدولية إنجازا يستحق الجري وراءه والرهان عليه، سيواصلون العمل على هذا الخط، مع علمهم بأنهم على أرض الصراع مع إسرائيل، يقاتلون بلحمهم الحي تحت معادلة إما المواصلة رغم قلة المردود على الأرض، وإما رفع الراية البيضاء دون الحصول على ما هو أقل من الحد الأدنى من حقوقهم، وفي حالة كهذه لا مناص أمامهم من اختيار المواصلة، معتمدين على رصيد استراتيجي ما زالوا يمتلكونه وهو البقاء على الأرض وبكثافة بشرية متنامية، وهذا البقاء لم يجد خصومهم المتفوقون حلا له لا في صفقة القرن ولا في غيرها.

نصيحتي للسيد جوزيب بوريل الذي يعتزم العمل على إصدار مبادرة أوروبية جديدة تتخذ طابع الرد المخالف للمبادرة الأميركية المسماة بصفقة القرن، أن يضع آليات تطبيق مبادرته قبل عناوينها وإلا سيقول له العالم... إن ازدحام السوق السياسي في الشرق الأوسط لا يحتمل سلعة جديدة.