جدل المقاومة المدنية في فلسطين

بقلم: محمد خالد الأزعر

أكثر من ثلاثة عقود مرت على تحول قطاع واسع ورائد في حركة التحرر الفلسطيني من منهجية الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية المدنية، ومع ذلك، ليس ثمة ما يؤكد بأن هذا القطاع وأنصاره، باتوا يستحوذون على إطار نظري ودليل عملي لدفوعهم ومحاجاتهم.

لا يوجد حتى الآن بناء فكري مشفوع بالتعميمات والتفصيلات، يعرض لكيفية اجتراح المقاومة المدنية في هذه الحركة؛ يأخذ بعين الاعتبار محدداتها وبيئتها وطبيعة الصراع الذي تخوضه.

ما يوفره اللاعنفيون الفلسطينيون، لا يتعدى توليفة أدبية وتطبيقية شبه عشوائية تعتمد على مطالعات لتجارب عالمية أو إقليمية؛ بعضها لا صلة له بنمط القضية الفلسطينية وعلى رأسها النموذج الهندي الأشهر بزعامة المهاتما غاندي.

هذا يذكرنا بالمقاربات الأقدم للقوم أنفسهم، يوم تمترسوا في خندق الكفاح المسلح، وكانوا ينظرون له بحسب قراءاتهم لنماذجه الشهيرة أيضاً، لاسيما الجزائري منها والفيتنامي! يستطيع أصحاب هذين النهجين الاعتماد على أسانيد وشواهد من مسار الحركة الوطنية الفلسطينية وسيرتها الغنية، ولكن ما ينبغي الاعتراف به موضوعياً، هو عدم التناسب بين التضحيات المدفوعة والإنجازات المتحققة على هذا المسار.

وفي ضوء نتيجة كهذه، يقال إنه يتعين علي فريق اللاعنف ألا يباهي كثيراً بحصافته وحكمته. ليس فقط لأنه كان الراعي الأساسي والأول ذات مرحلة للنضال العنيف، ولكن أيضاً لأنه مازال عليه أن يبرهن على سلامة اتجاهه غداة شد رحاله إلى وسائله البديلة.

مرور حقبة ممتدة على الترويج لمفهوم المقاومة اللاعنفية فلسطينياً. فضلاً عن معايشة تجربة غنية بحجم الانتفاضة الأولى، هذا كان يكفي وزيادة لبلورة نموذج خاص حول هذا المفهوم.

لكن ظاهر الحال وباطنه لا يثير التفاؤل بهذا الخصوص، فاللاعنفيون الفلسطينيون ما زالوا يلوكون أحاديثهم، مستلهمين نماذج الآخرين بلا تدبر في الفروق الدقيقة، ولكن المهمة، بينها وبين حالتهم.

وأهم من هذه النقيصة، إغفالهم للسياق الموضوعي المحيط بتجربتهم ذاتها بين مرحلة وأخرى من مراحلها وأطوارها. هم مثلاً يمجدون «إنجازات» الانتفاضة الأولى اللاعنفية، فيما يحيلون إخفاقات الانتفاضة الثانية إلى كثافة استخدام العنف في فعالياتها.

هنا، لا يلتفت هؤلاء بالعناية الواجبة للتباينات الكبيرة في البيئات المحلية والإقليمية والدولية التي حفت بكل من الانتفاضتين، وفرضت على المنتفضين تباينات موازية في وسائل الحركة والكفاح نزولاً عند مقتضى الحال.

من ذلك بلا حصر، نشوء السلطة الوطنية وابتعاد رموز الاحتلال من شرطة وجيش ومستوطنين بمسافة لا ينفع معها مجرد الرجم بالحجارة أو أشكال المقاطعة والعصيان، ولجوء إسرائيل إلى العنف المفرط عن بعد، بما لا طاقة لبعض المنتفضين بالسكوت عليه، وضمور الأطر المدنية الفلسطينية لصالح الفصائل والفصائلية السياسية؛ التي سلبت أدوار هذه الأطر التضامنية الضرورية لاستقامة المقاومة اللاعنفية.

كذلك يغفل اللاعنفيون أنه لكي يحقق نهجهم مراداته، مثلاً عبر مقاطعة العدو اقتصادياً، لابد من التوجه جدياً إلى فك الارتباط الاقتصادي والمالي مع مؤسسات هذا العدو، وتخليق الفرص والبدائل الذاتية لتخفيض ثمن هذا الانفصام. شيء من ذلك حدث بالفعل زمن الانتفاضة الأولى.

لكن تحولات وتجليات ما بعد اتفاق أوسلو وتوابعه أعادت هيمنة إسرائيل، ومحازبيها من (المانحين الدوليين )، اقتصادياً ومالياً على رقبة الضفة وغزة.

إلي هذا، هناك شروط هيكلية أخرى لنجاح المقاومة المدنية، يتصل أبرزها بتماسك الأوضاع البنيوية للمجتمع المعني ومستوى التلاحم القيادي والانضباط الحركي والاستمرارية.

كما أن وحدة القيادة، على مستويات التصور والحركة وصناعة القرار وطرح المطالب وتوزيع المهام والأعباء الميدانية، شروط لا غنى عنها لمجتمع يتطلع إلى مقاومة مدنية واعدة.

ترى هل تأمل اللاعنفيون الواقع الفلسطيني القائم في ضوء هذه المحددات بمعزل نسبي عن التأثر بزمن الانتفاضة الأولى؟ الشاهد، أن هناك شكوكاً حقيقة تراود المرء حول ديمومة شروط ذلك الزمن.

كيف لا، والانقسامات الداخلية تعصف بوحدة النظام السياسي وبقوة أطر المجتمع المدني على حد سواء؟!

عن "البيان" الإماراتية