قضية المثلث جزئية من مخطط تصفوي يؤيده غانتس!

بقلم: سليمان أبو إرشيد

مرة أخرى تداهمنا "قضيتنا الفلسطينية" لتحتل جدول أعمالنا السياسي وتخيم على تفاصيل برامجنا اليومية، بعد أن اعتقدنا نحن العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، أنها أدارت ظهرها لنا وأدرنا ظهرنا لها وبات بإمكان أحزابنا في الكنيست وخارجها، قصر اهتمامها على شؤون البيئة والصرف الصحي وقضايا العنف والجريمة والبطالة والفقر وغيرها من المسائل المدنية، بعد تحررها من عبء القضايا السياسية الكبرى المرتبطة بالبعد الوطني.

ويخطئ من يعتقد أن علاقتنا بخطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية المسماة بـ"صفقة القرن"، تقتصر على موضوع الترانسفير الذي تقترحه لمنطقة المثلث، وهناك من يسعى لتعزيز هذا الاعتقاد ويوعز لزعيم تحالف "أزرق أبيض" الجنرال بيني غانتس، أن الإعراب عن معارضته لهذه الجزئية كافٍ لاسترضاء العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وأحزابهم، وضمان التوصية على تفويضه بتشكيل الحكومة القادمة.

هؤلاء يجهلون الانقلاب الذي أحدثه الإعلان عن "صفقة القرن" في الشارع، وملامستها للعصب الحساس المتعلق بجوهر الوجود الفلسطيني المطلق، والذي تشكل قضية تبادل المثلث إحدى تفصيلاته الصغيرة، بالضبط مثلما شكل التنازل عن المثلث لإسرائيل في اتفاقيات رودوس عام 1949 جزئية صغيرة من الكارثة الكبيرة التي تمثلت بضياع فلسطين.

وإذا كانت نكبة 1948 قد تمثلت بضياع الوطن وتشريد الشعب، فإن خطة ترامب تبتغي تصفية القضية الفلسطينية بما تعنيه من هوية وكيانية وطنية، نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية في ترميمها والنهوض بها من تحت رماد النكبة وفرضها على بساط العالم بتضحيات عشرات آلاف الشهداء والأسرى.

الخطة تستهدف القضاء على الحلم الفلسطيني بما يحمله من رمزية تلامس الوجود الفلسطيني أينما كان، ولأنها كذلك احتلت أجندة المعركة الانتخابية عندنا وكنست القضايا المدنية واليومية إلى أسفل جدول الأعمال، واضطرت اللاهثين خلف الجنرال غانتس بذريعة إسقاط نتنياهو وتحت حجج الاهتمام بالقضايا اليومية، إلى البحث عن مخارج لأزمتهم من باب اشتراط معارضة تبادل المثلث وغيرها.

في كل مرة نحاول الإفلات من قبضة "القضية" والانغماس في الهم اليومي تحاصرنا من جديد، هكذا كان بعد إدارة الظهر لنا في أوسلو الذي اعتبرنا "عرب إسرائيل"، فجاءت الانتفاضة الثانية لتفجر الغضب الفلسطيني على طول مساحة الوطن ويسقط الشهداء في أم الفحم والناصرة وسخنين وغيرها من تجمعات الداخل الفلسطيني، وهذا ما كان في الانتفاضة الأولى التي امتدت حجارتها إلى مناطق الجليل والمثلث والنقب، وهذا كان شأننا أيضا في مرحلة الكفاح المسلح، حيث لا زال بعض أسرى تلك الفترة يرزحون في غياهب السجون، بعد أن رفضت إسرائيل الاعتراف بهم بموجب اتفاقيات أوسلو لأنهم يحملون الهوية الإسرائيلية.

هناك من يريد أن يلغي هذا الدور ويسعى إلى دمجنا في اللعبة السياسية الإسرائيلية لترجيح كفة معسكر صهيوني على آخر صهيوني أقل تشددا، وهو منطق يتقاطع مع توجه القيادة الفلسطينية الراهنة التي لا ترى من السياسة الإسرائيلية أبعد من مصلحتها في استئناف المفاوضات واستمرارها حتى لو كانت دون طائل كما جرى خلال العشرين سنة الأخيرة.

إنه منطق يسعى إلى ربط مصيرنا بإسرائيل، ولعب دور وظيفي في سياستها يقتصر على ترجيح كفة السيئ على الأسوأ في ملعبها السياسي ضمن أي معادلة، وقد تجلى ذلك في وحدة الموقف تلك من التوصية على الجنرال غانتس بعد الانتخابات الأخيرة، رغم مواقفه ومواقف حزب الجنرالات الذي ينتمي إليه، والتي لا تشذ كثيرا عن مواقف حزب الليكود وائتلاف اليمين الذي يقوده نتنياهو.

ومن المفارقة أن تلتقي تلك الرغبة من قبل قيادة السلطة الفلسطينية في التعامل معنا كورقة انتخابية إسرائيلية، مع توجه بعض قيادات الداخل المنسلخة عن بعدها الفلسطيني وتسعى للاندماج إسرائيليا.

تلك القيادات غارقة في وهم القدرة على التأثير في الساحة السياسية الإسرائيلية من خلال استنساخ تجربة الجسم المانع في عهد حكومة رابين، دون التفات لتغير الظروف والقوى والأشخاص وقراءة حالة الإجماع الإسرائيلي الصهيوني المتجاوب مع مخطط تصفية القضية الفلسطينية.

عن "عرب ٤٨"