كيف ننهي الانقسام الفلسطيني؟

بقلم: أمينة النقاش

العنوان أعلاه كان أحد الأسئلة التي طرحها شاب ممن حضروا الندوة التي شاركت فيها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي أنهى أعماله قبل أيام.

أسعدني أن شاباً هو من طرح السؤال، لأنه يعكس قلقه مع أقرانه من استمرار الوضع الفلسطيني على ما هو عليه، برغم من أن عمره يشي بأنه أحد ورثة عصر الهزائم، والاقتتال الأهلي الذي يستهدف إسقاط الدولة الوطنية في أرجاء الأمة، وأدهشني السؤال كذلك لأن القضية الفلسطينية في الوضع العربي الراهن ليست على رأس جدول الاهتمامات العربية، ولم تعد كذلك قضية العرب المركزية، كما كانت منذ حرب العام 1948وحتى الغزو العراقي للكويت، الذي تسبب في الإطاحة بالفكرة القومية من عليائها إلى غياهب النسيان، ووضع مبدأ الانتماء العروبي لأمة واحدة، موضعاً للتساؤل، لا سيما بعد أن انضمت منظمة التحرير الفلسطينية للمحور الذي كان يساند آنذاك صدام حسين بزعم أن الطريق إلى القدس يمر عبر الكويت، وهو موقف دفع ثمنه غالياً الشعب الفلسطيني!

لم أشأ أن أقول للشاب ما يخذل حماسه وربما شوقه لحل عادل للقضية الفلسطينية «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» لكنني توقفت أمام نون الجمع التي انطوى عليها سؤاله. من نحن الذين يتوجب علينا إنهاء الانقسام الفلسطيني؟ مصر مثلاً أم الدول العربية الأخرى؟

إجابة السؤال ليست عسيرة: سيظل كل دعم عربي للقضية الفلسطينية عاملاً هامشياً مهما علا قدره، وصدقت أهدافه، إذا لم تدرك الفصائل الفلسطينية، حجم الكوارث التي نجمت عن تشتتها وانقسامها، والضرورات التي باتت تفرض عليها التوحد، لينطق باسم فلسطين وقضيتها صوت واحد هو السلطة الوطنية الفلسطينية، وليتوحد تحت قيادتها القرار الفلسطيني. لكن السؤال المنطقي الذي يلي ذلك هو هل التوصل لتلك الوحدة أمر ممكن؟

عرفت الساحة الفلسطينية أكثر من منظمة للمقاومة تناسلت من بعضها وضد بعضها من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى الجبهة الديمقراطية ومن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني إلى حزب فدا ومن جبهة التحرير الفلسطينية إلى جبهة التحرير العربية وغيرها من المنظمات الجهادية، التي نشأت في أعقاب إعلان حركة فتح عن تأسيسها في كانون الثاني عام 1965.

وبرغم أن فتح كانت أقدم وأكبر الحركات الفلسطينية، فقد تعرضت لانشقاقات أكثر من مرة. وأضحى الانقسام على أسس نظرية وإيديولوجية سمة ملازمة للمنظمات الفلسطينية الأخرى، الذي بدا الخلاف بين فصائلها أوسع مدى وأكثر انتشاراً من الخلاف مع عدوها.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن النظامين القوميين في العراق وسوريا اللذين كانا أكثر الدول هتافاً باسم قضية العرب المركزية، وفي خضم الصراع الضاري بينهما قد لعبا دوراً مخرباً في دعم الانقسامات التي سادت تلك الفصائل، بإنشاء البعض منها، والإغداق المالي عليها لمواجهة من تظنهم خصوماً لسياستها.

فخسرت تلك الفصائل تعاطف البيئة الحاضنة لها، بانخراطها في الصراعات الداخلية للدول التي كانت تقيم فيها، وتحول بعضها إلى رهينة في أيدي تلك الأنظمة، وبوقاً لها، وطرفاً في صراعاتها الخارجية، كل ذلك باسم الدفاع عن القضية الفلسطينية.

ولم تكن «حماس» لتظهر كحركة مقاومة، سوى في مثل تلك الأجواء الصراعية. وكعادة الجماعة التي تنتمي إليها، كسبت حماس الانتخابات التشريعية، ثم انقلبت على القواعد الديمقراطية التي أنجحتها، وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية لتشكل عام 2007 إمارة إسلامية في غزة، لا تتخذ من الفلسطينيين المقيمين بها رهينة لبقاء هيمنتها على القطاع فقط، بل تتحالف كذلك ضد مصالح دول المنطقة، مع دولتين استعماريتين تسعيان لإعادة عصر امبراطوري زائل، وكل حديث عن رغبتها في إتمام مصالحة مع السلطة الفلسطينية هو محض خيال!

وحدة فصائل المقاومة الفلسطينية لم تعد اختياراً لمن يريد السعي لإقامة دولة فلسطين، والطريق نحوها يبدأ بنبذ الأخطاء، والتعلم من تجارب الآخرين.

وفي التاريخ المعاصر، قدمت التجربة الفيتنامية نموذجاً فذاً لبلد صغير من بلاد العالم الثالث، تتوحد قواه الثورية في جبهة واحدة، لمواجهة أكبر قوة في العالم، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وتنجح بوحدتها في تحقيق أهدافها. وفي تلك التجربة تكمن إجابة سؤال العنوان.

عن "البيان" الإماراتية