عن "الصفقة" وكيفية مواجهتها

بقلم:الدكتور أسعد عبد الرحمن

يجهد الاحتلال في محاولاته ابتلاع فلسطين بكاملها، وآخرها سعيه إلى ضم غور الأردن والمناطق المصنفة (ج) مع تكثيف الاستعمار/ "الاستيطان"، وذلك في ظل وجود رئيس أمريكي يستعد لجولة انتخابات رئاسية جديدة يتمناها لنفسه، ورئيس وزراء إسرائيلي تحول إلى "ملك" في إسرائيل، لكنه بات عنوانا للمقارفات سواء داخل المجتمع في إسرائيل أو في فلسطين والوطن العربي، ويجهد لصرف النظر عن قضية الحصانة البرلمانية الخاصة على أمل حمايته من قضايا الفساد المتورط بها.

مع التفاصيل الجديدة التي تتكشف يوميا عن ماهية ما يسمى "صفقة القرن"، ومع استمرار الوضع الحساس الذي يعيشه كل من الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) ورئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامن نتنياهو) إلا أن مناورتهما الجديدة الخاصة بهما وبمصالحهما الضيقة من خلال إعلان تفاصيل "صفقة" تحمل في طياتها بدايات تغيير في الواقع الفلسطيني وربما العربي أيضا ذلك أن نشر تفاصيل "الصفقة" وضح بما لا يدعو للشك أنها أيضا (موضوعيا) خطة أمريكية لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً، في ظل التماهي بين (ترامب) واليمين الإسرائيلي الاستعماري/ "الاستيطاني" الذي يمثله (نتنياهو).

السلطة الفلسطينية، مع رفضها "الصفقة" أمام اختبار صعب لا بد أن تتبعه بخطوات شعبية وصولاً إلى تثوير الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بدءا من الضفة الغربية والقدس، وصولاً إلى قطاع غزة. خاصة وأنه مع التجاهل التام لمطالب الفلسطينيين، ما زالت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تحذر من تبعات "الصفقة"، خصوصا في ظل الرسائل الاستفزازية الإسرائيلية التي تخص مستقبل الضفة، سواء ضم غور الأردن ومناطق (ج)، و/ أو التجمعات الاستعمارية/ "الاستيطانية" الكبرى، وهي رسائل ستزيد التوتر الأمني في الضفة، وتستدرج ردود فعل فلسطينية (وربما عربية وإسلامية) غاضبة.

القول بأن الضفة الغربية تائهة هائمة لا حراك فيها، ينفيه إعلان "جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي - الشاباك" على لسان رئيس الجهاز (نداف أرغمان) الذي حذر فيه من "استمرار تسخين الجبهة الميدانية في الضفة الغربية"، وأكد أنه أحبط "خلال 2019، (560) عملية كبيرة، بما فيها (10) عمليات استشهادية، و(4) محاولات اختطاف لجنود ومستوطنين، وأكثر من (300) عملية إطلاق نار، وأن الجيش الإسرائيلي أحبط، بالمقابل، قرابة (12) بنية تحتية لخلايا مسلحة فلسطينية خططت لتنفيذ عمليات دامية، لاسيما من خلال وضع عبوات ناسفة". في السياق، أوضح تقرير أعده "مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب" التابع للحكومة الإسرائيلية، أن "58% من العمليات في 2019 كانت عمليات طعن، حيث جرى تنفيذ (19) عملية طعن، أما بخصوص العمليات "القاتلة" التي تسببت بمقتل وإصابة إسرائيليين، فقد قتل (5) إسرائيليين (4 مستوطنين وجندي) وأصيب (22) آخرين، حيث توزعت العمليات جغرافياً على عدة مناطق أولها منطقة القدس، وضواحيها حيث نفذت فيها (11) عملية، تليها منطقة رام الله والتي نفذت فيها (6) عمليات". ومن أكثر ما حذر منه التقرير أن غالبية العمليات: "نفذت على يد شبان في العشرينات من العمر، غالبيتهم دون سوابق أو انتماء تنظيمي".

هذه المعطيات الإسرائيلية، تؤكد أن التوتر في الضفة الغربية آخذ في الزيادة مع مرور الوقت، مثلما تشير إلى ما بينه تقرير "الشاباك" من أن "بعض القرارات الأخيرة للمستوى السياسي الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين تصب المزيد من الزيت على نار التوتر معهم". وبحسب تقرير فلسطيني: "بلغت مجمل أعمال المقاومة الشعبية بالضفة والقدس (5402) عملا، تصدرت رام الله بـ (1183) عملا، تلتها القدس بـ (1053) في حين جاءت الخليل ثالثا بـ (823) عملا مقاوما. مع التأكيد على أن هذه المقاومة الشعبية قد تتحول في أي لحظة إلى مسلحة، فلقد شهد العام 2019، وفق التقرير ذاته، "تنفيذ المقاومة لعدد من العمليات النوعية التي أصابت الاحتلال وجيشه ومخابراته في مقتل، استهلها الشهيد عمر أبو ليلى في عملية مفرق سلفيت"، وهو الشاب الذي استطاع أن يطعن جنديًا ويستولي على سلاحه، ويقتله به، ثم يطلق النار على حاخام "مستوطن"، ويرديه قتيلًا، ويجرح آخرين، ويختفي لأكثر من 70 ساعة، تاركًا الاحتلال على أقصى درجات الاستنفار بحثًا عنه.

وعليه، الأولوية هي اليوم لترتيب البيت الفلسطيني ما يؤسس ويعزز قدرة الشعب على تجاوز المخاطر المتراكمة. صحيح أن واقع الضفة الغربية بما فيه القدس صعب للغاية مع استمرار السياسات الإسرائيلية القائمة على عزل المدن عن بعضها البعض خوفا من نجاح أي بوادر لانتفاضة جديدة، وصحيح أن البيئة السياسية الفلسطينية الحالية، أي الإنقسام تحديدا، هي بيئة غير داعمة ولا بواكي لها، إلا أن المتفائل يرى أن الأيام حبلى بعمليات نوعية للمقاومة ستكون بدافع ذاتي شبابي وجماهيري.

لا بد من الإشارة إلى نجاحات حققها الشعب الفلسطيني. فالقدس المحتلة باتت ساحة مواجهة يوميا تقريبا، حيث تنجح الجموع الفلسطينية بتحد وعزم في وجه هجمة الاحتلال الشرسة على المدينة، وتشتبك مع جنوده و"مستوطنيه" بشكل دائم، خاصة في العيساوية وسلوان ومخيم شعفاط، وتواصل الرباط في المسجد الأقصى والتصدي لمحاولات تدنيسه، والنجاح في كسر القيود الإسرائيلية التي كبلت (باب الرحمة) في المسجد الأقصى منذ عام 2002.

وتأسيسا على هذا كله، فإن الشعب الفلسطيني مطالب بتوحيد موقفه والانتقال من مرحلة التصريحات الرافضة إلى مرحلة الخطوات الفعلية لمواجهتها، والتي لا يمكن أن يكتب لها النجاح ما لم تقم بتحرك سريع ومحموم لإنهاء الانقسام الفلسطيني/ الفلسطيني أولاً، والاتجاه نحو وضع خطة فلسطينية تبدأ بإعلان إلغاء أوسلو، والتحرك على درب الكفاح السياسي والدبلوماسي والإعلامي عربيا وإسلاميا وعالميا، مع الإعداد لغضب فلسطيني قد يفجر انتفاضة ثالثة على درب النضال الطويل.