ما الذي يريده البرهان من إسرائيل؟!

بقلم: مكرم أحمد الطراونة

بعد أيام قليلة من المسرحية الاستعراضية التي أعلن فيها كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما اعتبراه خطة تاريخية لا تعوض لتحقيق السلام مع دولة محتلة مغتصبة لأرض عربية مقدسة، تفاجأ كل عربي من لقاء جمع مغتصب الحقوق الفلسطينية مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان في أوغندا.


اللقاء، عقد بعيد اجتماع لجامعة الدول العربية أكدت فيه موقفها الرافض من الخطة برمتها، والدعوة إلى عدم التعامل معها ما دامت لا تلبي حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ولا تؤسس لإقامة دولته بعاصمتها التاريخية القدس، أو تقام على حدود الرابع من حزيران العام 1967. وبحسب ما كشف عنه رئيس وزراء الاحتلال ناقش اللقاء “تطبيع” العلاقات بين الطرفين، واصفا إياه بـ”الحدث التاريخي”.

حقا له أن يقول ذلك فتوقيت هذا اللقاء يمثل طعنة كبيرة في خاصرة القضية الفلسطينية، والتفافا على الموقف العربي الموحد الرافض لما تمارسه إدارة البيت الأبيض وإسرائيل بهذا الشأن.


منذ عقود ظلت أفريقيا هدفا استراتيجيا لإسرائيل، وسعت بجد لتوسيع نطاق دبلوماسيتها تجاه دول وسط أفريقيا بما فيها النيجر ومالي. الهدف الأول، وإن كان، لغايات السفر الجوي والاستخبارات والتدريب العسكري، إلا أن هناك أهدافا عديدة مثل رغبة دولة الاحتلال أن يكون لها موطئ قدم في القارة السمراء، فالوجود الإسرائيلي في المنطقة يساعد على تحقيق متطلباتها الأمنية.


كانت محاولات إسرائيل لتدشين علاقات دبلوماسية مع السودان عديدة، سعيا منها للحصول على امتياز الطيران فوق أراضيها للوصول إلى أميركا اللاتينية، وهذا الهدف الصريح الذي أعلنته بعيد اللقاء، لكن هناك جملة عديدة من الأهداف على رأسها أطماعها التوسعية والتغلغل بالجسد العربي، الذي يعاني الأمرين جراء اختلاف الرؤى والأولويات لديه.


لكن على الجانب الآخر، ما الذي يريده السودان من إسرائيل؟ وما هي مآربه ومصالحه في التطبيع معها، وبناء علاقات ثنائية، وتحديدا في هذا التوقيت الذي حمل في ثناياه مؤامرة على القضية الفلسطينية؟.


إذا أردنا الحديث عن السودان ورغبته في الاستقرار وبحثه عن داعم يساهم في هذا الأمر، خصوصا لدولة اختبرت العام الماضي تغير قياداتها إضافة إلى الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح، فإن المنطق والتجربة يقولان إن على السودان التوجه للولايات المتحدة الأميركية لمساندتها في أزمتها باعتبارها القادرة على تحقيق ذلك، وليس إلى إسرائيل التي لا تمتلك لا المقومات، ولا القبول في المنطقة.


الرسالة الأميركية واضحة بهذا الاتجاه، فهي ترفض الانفتاح على السودان ورفع العقوبات المفروضة عليه منذعهد البشير، وإخراجه من عزلته وإعادته إلى خارطة الوجود إلا من خلال البوابة الإسرائيلية. واشنطن تريد دولة إسرائيلية إقليمية عظمى تتحكم في جميع المفاصل.

نتنياهو بفضل البيت الابيض يحقق قفزات انتخابية كبيرة.
نتنياهو كان واضحا جدا بذلك، حيث أشار مكتبه في بيان رسمي إلى أنه وفي محادثة رئيس وزراء الاحتلال مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أكد للأخير أن الخرطوم تسير في اتجاه إيجابي وجديد، وأن البرهان يريد مساعدة دولته في الدخول في عملية حداثة، لذا سارعت واشنطن لتوجيه دعوة رسمية له لزيارتها.

وزير الخارجية الأميركية بدا كما لو أنه يمنح الدولة العربية الأفريقية صك غفران عالمي. 
السودان تشهد بداية لتحولات قادمة، كما هو شأن المنطقة برمتها، ويبدو أنه ما من خيار أمام المتضررين من هذه التحولات سوى الموافقة عليها ما دامت هناك إدارة أميركية تتعامل بمثل هذه الوقاحة مع قضايا المنطقة العربية التي تعيش في أكثر حالاتها هوانا. 


لن نقول إن على العرب الاستعداد لذلك، فنحن أمة في سبات عظيم، بينما الفجوة الزمنية تتسع بلا هوادة بيننا والعالم.

عن "الغد" الأردنية