الصهيونية ومعاداة السامية في فرنسا

بقلم:د. غسان العزي

كان يكفي أن يقوم أحد متظاهري «السترات الصفراء» في باريس في 16 فبراير/‏شباط 2019 بالتوجه إلى الفيلسوف الفرنسي اليهودي المؤيد لإسرائيل ألان فانكلكرو واصفاً إياه ب«الصهيوني غير النظيف»؛ كي تقوم الدنيا ولا تقعد في صفوف الطبقة السياسية، ووسائل الإعلام التي استغل بعضها الحدث؛ لتنظيم حملة تأييد لإسرائيل والتذكير بمآسي «الهولوكوست»، ووصف المجتمع الفرنسي، بأنه معاد لليهود وللسامية. هذا الحدث الذي تم نقله بالصوت والصورة على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، معطوفاً على التذكير بحوادث قدح وذم واستفزاز تعرض لها يهود فرنسيون في السنوات الماضية، استغله النائب في حزب «الجمهورية إلى الأمام» سيلفان مايار؛ لإعداد مشروع قرار تقدم به إلى مجلس النواب يساوي بين مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية.

بعد أشهر طويلة من الجدل بين أنصار هذا المشروع ومعارضيه تم تبنيه في مجلس النواب في الثالث من ديسمبر/‏كانون الأول المنصرم. وقد صوّت على هذا «النص غير الملزم قانونياً» الذي يحمل الرقم 2043 فقط 154 نائباً، وصوت ضده 72، وامتنع 43 عن التصويت (من أصل 577 عدد أعضاء البرلمان). لقد تم تبني القرار بأقل من نصف عدد النواب، ومثلت الأصوات المؤيدة أكثر بقليل من ربع نواب المجلس. والمفارقة أنه من أصل 303 نواب لحزب ماكرون «الجمهورية إلى الأمام»، فقط 84 صوتوا لمصلحته. وقد عارضه الحزب الاشتراكي وحزب فرنسا الأبية وحزب الجمهوريين بالإجماع، وهذا أمر نادر الحصول؛ وذلك على الرغم من الحملة المركزة التي قامت بها المؤسسات واللوبيات المؤيدة لإسرائيل طيلة العام المنصرم.

هذا القرار يتبنى تعريف «التحالف الدولي لذاكرة الهولوكوست» (ايهرا) لمعاداة السامية: وهي نظرة معينة لليهود من الممكن أن تعكس كرهاً لهم. المظاهر اللفظية والمادية لمعاداة السامية يمكن أن تستهدف أشخاصاً من اليهود و/‏أو ممتلكاتهم ومؤسساتهم وأماكن عبادتهم، وتقدم «ايهرا» عشرة أمثلة؛ لتوضيح هذا التعريف الغامض، وأحدها مثلاً تعد معاديةً للسامية كل معاملة لإسرائيل لا تساويها بغيرها من الدول عبر الطلب منها تبني سلوكات لا ننتظرها ولا تطلبها من الدول الديمقراطية الأخرى. وهكذا تم الانزلاق من التعرض لليهود إلى التعرض، ولو بالانتقاد، إلى «دولة إسرائيل».

معارضو هذا التعريف يخشون من استخدامه ضد أي انتقاد للحكومة الإسرائيلية واحتلالها للضفة الغربية. ومن هؤلاء 127 مثقفاً وأستاذاً جامعياً يهودياً وقعوا عريضة نشرتها جريدة «لوموند» يطلبون فيها من النواب عدم التصويت لهذا «المشروع العار»، كما فعل عدد من نواب الوسط والشيوعيين، وحزب ماكرون نفسه؛ عبر مقالة نشروها في الصحيفة نفسها عشية التصويت على المشروع.

بالطبع بنيامين نتنياهو يؤيده بقوة معتبراً أن «معاداة الصهيونية هي التعبير الجديد عن معاداة السامية»، ويجاريه في ذلك النائب سيلفان مايار بالتضامن مع وزير الخارجية الإسرائيلي الذي اعتبر أنه يعمل على مواجهة الحملات الدولية؛ الهادفة إلى نزع الشرعية عن الدولة العبرية؛ عبر الدعوات إلى مقاطعة بضائعها، واتخاذ عقوبات اقتصادية بحقها؛ بسبب احتلالها للضفة الغربية، وبنائها للمستوطنات.

الملفت أن الرئيس ماكرون أيد منذ البداية «مشروع مايار»، وتعريف «ايهرا» لمعاداة السامية بأنهما يشملان تعريف كل مظهر من مظاهر كراهية دولة إسرائيل، مدفوعاً بالنظر إليها كمجموعة يهودية. لكن ماكرون حاول أن يمسك العصا من المنتصف؛ عندما عارض «تجريم مناهضة الصهيونية جزائياً؛ لأن ذلك يطرح مشاكل أخرى». وهكذا مر القانون الذي «سوف يعقد حياة بعض المنظمات التي لن يكون بمقدورها من الآن وصاعداً الكلام عن دولة إسرائيل كما لو أنها مصابة بالطاعون».

إلى جانب أربعين زعيم دولة دعي الرئيس ماكرون لزيارة القدس في 22 من الشهر المنصرم؛ احتفالاً بمرور 75 عاماً على «الهولوكوست»؛ وهي الزيارة الأولى له منذ توليه السلطة في عام 2017. حاول ماكرون التميز بإقامة نوع من التوازن بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ كونه الوحيد من الزعماء المشاركين في الاحتفال الذي توجه إلى رام الله؛ لمقابلة الرئيس محمود عباس. وكان قبل سفره من باريس قد وجه انتقاداً لسياسة الاستيطان، واصفاً إياها ب«سياسة الأمر الواقع»؛ لكنه في المقابل أكد في القدس أمام نتنياهو بأن «إنكار حق إسرائيل بالوجود هو شكل جديد من أشكال معاداة السامية» فحظي بذلك برضا الإسرائيليين.

بالاتفاق مع "الخليج"