حرب العجول.. سجالٌ وفصول، والمعاملة بالمثل سلاحٌ جديدٌ تبادر إليه حكومة اشتية

خسائر فادحة يتكبدها تجار العجول الإسرائيليون وعقوبات إسرائيلية بحق السلطة

200 مليون دولار قيمة العجول المشتراة من إسرائيل سنوياً

أربعة تجار إسرائيليون يحتكرون استيراد العجول لبيعها في السوق الفلسطينية

انتهاء أزمة التصدير إلى الخارج بعد التغلب على عراقيل إسرائيلية مفتعلة

رام الله- تحقيق خاص بـ"القدس"دوت كوم:

خمسة أشهر مضت على قرار الحكومة الفلسطينية الذي اتخذته في شهر أيلول من العام المنصرم بشأن منع استيراد العجول من إسرائيل، وهو القرار الذي أثار غضباً عارماً في أوساط مربي العجول في إسرائيل الذين تظاهروا أمام منزل وزير جيش الاحتلال نفتالي بينيت الذي بادر على وقع تلك الضغوط إلى منع إدخال المنتجات الفلسطينية إلى الأسواق الإسرائيلية، وهو الإجراء الذي ردت عليه الحكومة بالمثل عبر قرارها يوم الإثنين الماضي بمنع دخول حزمةٍ من المنتجات الغذائية الإسرائيلية إلى السوق الفلسطينية، ويدخل القرار حيز التنفيذ اليوم الخميس. ويُعدّ قرار بينيت تصعيداً لم تشهد له العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية مثيلاً من قبل، سيما أنه يأتي وسط تهديدٍ فلسطينيٍّ رسميٍّ بقطع العلاقات السياسية والأمنية مع كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، احتجاجاً على خطة ترامب التي تشكل تقويضاً للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني واعتداءً صارخاً على قرارات الشرعية الدولية.

في التحقيق التالي تسلط "القدس" دوت كوم الضوء على تبعات وأكلاف قرار حكومة اشتية منع استيراد العجول من إسرائيل في إطار خطتها الاستراتيجية للانفكاك الاقتصادي التدريجي عن الاحتلال، وأثر هذا القرار الذي حظي بإجماعٍ شعبيٍّ في تعزيز المنتج الوطني، وكذلك تأثير القرار على تجار العجول الإسرائيليين الذين احتكروا هذه السوق سنواتٍ طويلةً خلت.

اليوم يبدأ سريان القرار الحكومي بمنع إدخال حزمةٍ من المنتجات الغذائية الإسرائيلية إلى السوق الفلسطينية

دفعت أزمة العجول، وضغوطات تجار العجول الإسرائيليين، بوزير جيش الاحتلال نفتالي بينيت الجمعة الماضي، إلى منع إدخال المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى الأسواق الإسرائيلية. لكن الحكومة الفلسطينية قررت وخلال جلستها الأسبوعية الإثنين، رداً على قرار بنيت التعامل مع هذا القرار بالمثل، وذلك بمنع إدخال الخضار والفواكه والمياه والعصائر والمياه الغازية الإسرائيلية إلى الأسواق الفلسطينية، على أن تدخل هذه الخطوة حيز التنفيذ اليوم الخميس.

وتم تشكيل غرفة عمليات مشتركة لمتابعة تنفيذ قرار الحكومة من قبل الوزارات والجهات المختصة.

وزير الاقتصاد الوطني خالد العسيلي أكد في بيان صحافي، مساء الإثنين، المباشرة في إبلاغ وكلاء السلع والمنتجات الإسرائيلية التي حظر إدخالها إلى السوق الفلسطينية، تنفيذاً لقرار الحكومة الفلسطينية القاضي بمنع إدخال السلع والمنتجات الإسرائيلية (الخضار، الفواكه، المياه المعدنية والغازية، العصائر) إلى السوق الفلسطينية رداً على القرار الإسرائيلي بحظر إدخال المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية، مشدداً على أن قرار الحظر يدخل حيز التنفيذ بعد مضي 48 ساعة على قرار الحكومة (اليوم الخميس)، وبعد ذلك يمنع على الوكلاء إدخال أي صنف من هذه السلع إلى السوق الفلسطينية.

ويؤكد الوكيل المساعد للقطاع الاقتصادي في وزارة الزراعة طارق أبو لبن، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أن قرار الحكومة جاء ليؤكد أن الشعب الفلسطيني من حقه أن يتعامل بكامل السيادة على اقتصاده وأرضه وبالرد بالمثل، فيما تعمل وزارة الزراعة من خلال الحكومة على حماية المزارعين وتمكينهم من تحقيق ربحية زراعته وإيجاد بدائل في حال تعرضوا لهجمات مثل قرار بينيت، وكان لا بد من تعظيم قدرات المنتج الفلسطيني.

ويشدد أبو لبن على أن هذا القرار هو قرار سياسي لأول مرة يصدر من وزير الجيش الإسرائيلي، وبصياغته تجاهل الأرض الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بما يعبر عن العقلية الإسرائيلية، "لذا فإنه في ظل ما نعيشه من حالة سياسية وبصفقة القرن، فالقرار يُقرأ على أنه سياسي".

وحول أسباب اختيار الحكومة منع هذه الأصناف الإسرائيلية من دخول السوق الفلسطينية، يؤكد أبو لبن أن ذلك من باب التعامل بالمثل في قضية منع الخضار والفواكه، أما منع المياه والعصائر والمياه الغازية، فقد جاء بحسب أبو لبن، لتعظيم المنتجات الفلسطينية ورداً على القرارات الإسرائيلية وضمن الانفكاك الاقتصادي، فيما يؤكد أبو لبن أن الاحتلال الإسرائيلي وبعد العام 1967 جعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً له، والخاسر من هذه القرارات الصادرة عن بينيت هو الاقتصاد الإسرائيلي.

من جانب آخر، يؤكد أبو لبن أن الحكومة تمكنت خلال الأشهر السابقة من إدارة الأزمة بعد منع استيراد العجول من إسرائيل، بحيث لم تتأثر السوق الفلسطينية، والحكومة ثابتة بقرارها، ولكننا تحت الاحتلال، وكل الأمور واردة في أن يتغطرس الاحتلال بمنع منتجات معينة، لكن الحكومة صامدة على قرارها.

استئناف التصدير إلى الخارج بعد عراقيل مؤقتة

من جانب آخر، يؤكد أبو لبن أن إسرائيل منعت منذ الأحد دخول المنتجات الزراعية للسوق الإسرائيلية، وعادت المنتجات للمزارعين، لكن الخسائر قليلة نظراً لأننا في دورة شتوية، والسوق المحلية تستوعب تلك المنتجات، لكن الحكومة أبدت استعدادها لدعم المزارعين، فيما يؤكد أبو لبن أن الصادرات من المنتجات الزراعية للخارج مستمرة، حيث كانت هناك بعض المعيقات، لكن الإشكالية قد حُلت وتواصل التصدير، أما بالنسبة لما يُصدَّر من خلال الأردن فلم يتغير أي شيء.

وتبلغ قيمة صادرات المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية 88 مليون دولار خلال العام 2018، وهي تمثل ما نسبته 68% من حجم الصادرات الزراعية الفلسطينية للعالم البالغة 130 مليون دولار، وبلغت الواردات الفلسطينية من المنتجات الزراعية 600 مليون دولار من إسرائيل، وهي تمثل ما نسبته 71% من حجم الواردات الزراعية من مختلف بلدان العالم البالغة 850 مليون دولار خلال العام 2018، وفق معطيات صادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني.

وتتراوح كمية المنتجات الزراعية التي تصدر من الضفة الغربية إلى إسرائيل بين 280-300 طن يومياً، والصادرات الفلسطينية من الخضروات إلى إسرائيل بلغت مع نهاية العام 2018 نحو 55 مليون دولار، والواردات الفلسطينية من إسرائيل فواكه وخضروات بلغت بحدود 300 مليون دولار.

ويساهم قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، حيث بلغ في العام 2018 ما نسبته 7%، ومساهمة القطاع الزراعي في التشغيل (القوى العاملة) بلغت 6,1% للربع الثالث 2019، أما الواردات الفلسطينية من إسرائيل (جميع الواردات) في العام 2018 فبلغت 3,6 مليار دولار، والصادرات الفلسطينية (جميع الصادرات) إلى إسرائيل بلغت 967 مليون دولار، في حين بلغ حجم التبادل التجاري بين فلسطين ودول العالم في العام 2018 (7,694) مليار دولار سلعية مرصودة.

القرار الذي فضح التجار الإسرائيليين

بعد قرار الحكومة الفلسطينية، شهد قطاع العجول ومربوها في إسرائيل احتجاجات ومطالبات بفرض عقوبات على السلطة الفلسطينية، لما للقرار من أضرار وخسائر كبيرة عليهم، إذ إن غالبية العجول التي يشتريها التجار الفلسطينيون من إسرائيل هي بالأساس عجول يستوردها تجار إسرائيليون كبار لهم تأثيرهم ونفوذهم، ويبيعونها في السوق الفلسطينية.

فقد نفذ مزارعون إسرائيليون احتجاجات، ولأكثر من مرة، سواء أمام منزل وزير جيش الاحتلال نفتالي بينيت في تل أبيب، احتجاجاً على الخسائر الاقتصادية الفادحة التي يتكبدونها نتيجة المقاطعة الفلسطينية لمنتجاتهم، مؤكدين ضرورة الوصول إلى حلول سريعة لوقف التدهور الحاصل في أوضاعهم الاقتصادية، فيما جاءت تلك الاحتجاجات وسط تحذيرات أمنية إسرائيلية والتهديد بمواصلة وزارة الزراعة الإسرائيلية الضغط على الفلسطينيين بفرض مزيد من المطالب على السلطة الفلسطينية بسبب الضغوط السياسية التي يمارسها مربو الماشية، ومحاولة إشعال حرب تجارية قد تؤدي إلى حالة اشتباك مع الفلسطينيين.

مساعي الحكومة الفلسطينية التي يقودها رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية، بمحاولة فرض مقاطعة كاملة على استيراد العجول من إسرائيل، ضمن خطته لفك الارتباط مع الاقتصاد الإسرائيلي، تعتبره إسرائيل وفق ما تداوله الإعلام الإسرائيلي خرقًا لاتفاقية التجارة الزراعية لعام 1994، ما دفعها إلى فرض عقوبات على السلطة، من بينها حرمان رجال الأعمال الفلسطينيين من الحصول على تصاريح تجارية، وعدم السمالح للسلطة باستيراد الماشية بشكل مستقل من الخارج.

تلك الضغوطات دفعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى احتجاز العجول المستوردة فلسطينياً من الخارج (من: هنغاريا، والبرتغال، وأستراليا، وفرنسا بشكل مباشر دون وسيط إسرائيلي) إلى الضفة الغربية، لعدة أسابيع، وهو ما كبد الفلسطينيين خسائر نتيجة هذا الاحتجاز.

محاولات لتهريب العجول عبر شاحنات مواد بناء مغلقة

يؤكد مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام في الضابطة الجمركية المقدم إبراهيم عياش، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، أن جهاز الضابطة الجمركية هو جهاز تنفذي ينفذ سياسات الحكومة المالية والاقتصادية من أجل خلق بيئة استثمارية قوية وتوفير سوق آمن وصحي للمواطن الفلسطيني، إذ إن جهاز الضابطة الجمركية يتابع أيضاً قضية تهريب العجول من إسرائيل منذ صدور قرار الحكومة بهذا الشأن، حيث يتم ضبط العجول المهربة ومتابعتها مع الجهات المختصة، بدايةً من تحرير المحاضر الخاصة بالضبط وتسليمها لوزارة الزراعة لاستكمال الأمور القانونية مع النيابة العامة، في سعيٍ متواصلٍ من الضابطة لمنع التهريب.

ويشير عياش إلى وجود شراكات للضابطة الجمركية مع الأجهزة الأمنية التي تمد الجهاز بالمعلومات المتعلقة بعمليات التهريب، وتوجد سيطرة بشكلٍ كبيرٍ على عمليات التهريب بفضل عمل ضباط الجهاز وعناصره بالميدان والشراكة والتعاون القائم في الميدان بين أذرع المؤسسة الأمنية والجهات الشريكة.

بينما يشير عيلش، أيضاً، إلى وجود محاولات للتحايل على التهريب عبر عدة طرق، منها: تهريب العجول بشاحنات مغلقة تُستخدم لنقل مواد البناء، للإيهام بأنها مواد بناء، لكن تم اكتشافها واتخاذ الإجراءات بحق المهربين، وأيضاً استغلال فترات المنخفضات الجوية القوية وفترات النشاط الأمني لقوات الاحتلال في المدن لتهريبها، إذ إن الضابطة مستمرة بمنع التهريب لحماية المنتج الوطني من العجول التزاماً بقرار الحكومة، فيما دعا عياش أبناء الشعب الفلسطيني للالتزام بقرار الحكومة لحماية المنتج الوطني لما له من أهمية في تشغيل أيدٍ عاملة، ولما له من أهمية في تعزيز الاقتصاد الوطني بشكلٍ عام.

تجار يشتكون ارتفاع أسعار العجول المستوردة.. والحكومة تنفي

قرار الحكومة دفع بتجار العجول الفلسطينيين إلى الاحتجاج أمام مقر الحكومة، وأغلق أصحاب ملاحم محالهم، مطالبين بإلغاء القرار، ودعوا إلى توفير بنية تحتية للاستيراد، والسماح لهم بفترة ينهون فيها تجارتهم مع إسرائيل، بل وأكدوا أن أسعار العجول المستوردة من الخارج أغلى ثمناً من تلك التي يتم استيرادها من إسرائيل.

عماد دعنا، مزارع عجول وصاحب ملحمة في رام الله، ويعمل تاجر عجول ولحاماً منذ 30 عاماً، يقول لـ"القدس"دوت كوم: "هذه أول مرة نتأثر بهذا الشكل، قرار الحكومة أثره سلبي علينا، والمستفيدون أقلية وهم رؤوس الأموال الكبيرة".

ويوضح دعنا أن سعر كيلو لحم العجل المستورد من الخارج أصبح مرتفعاً، "كنا نشتري الكيلو من إسرائيل بـ12 شيقلاً، والآن يريدون بيعنا المستورد من الخارج بـ18 شيقلاً، مزارعي فارغة حالياً، ولا أستطيع شراء عجول إلا لملحمتي من بعض المزارع في الضفة، وقلت مبيعاتي بنسبة 50%، ونبيع أسعار اللحوم كما الأسعار السابقة".

ويشير دعنا إلى أنه كان يشتري قبل قرار الحكومة وبشكل أسبوعي من إسرائيل ما بين 20-30 عجلاً، لكنه اليوم لا يشتري سوى لملحمته، داعياً الحكومة إلى فتح الاستيراد للجميع ومن أي مكان، بما في ذلك إسرائيل، وأن تصبح منافسة في الأسعار.

أما سلطان عباهرة، وهو لحام وتاجر عجول من جنين، ويعمل في هذا المجال منذ 30 عاماً، فإنه يرى أنه ليس من السهل تطبيق قرار الحكومة منع استيراد العجول من إسرائيل بهذه السرعة، على رغم أنه مع الانفكاك الاقتصادي، لكنه ضد الاحتكار الذي زاد من أسعار العجول عن نظيرتها الإسرائيلية 3 شواقل في كل كيلوغرام، لافتاً إلى ما أسماه السماح بإدخال اللحوم ومنع إدخال العجول من إسرائيل، ولا يعرف مصدر الذبح، "فهذا أمر فيه تناقض".

عباهرة اعتُقل أحد أبنائه من ضمن التجار الذين تم اعتقالهم في جنين على خلفية قضية تهريب العجول، ويقول: "اعتُقل ابني لأنه أدخل عجولاً لنا موجودة في مزارع لدى الإسرائيليين، بسبب عدم امتلاكه تصريحاً وإذن دخول، على رغم وجود فاتورة مقاصة وشهادة صحية"، لافتاً إلى أن التجار الإسرائيليين أبلغونا بأخذ عجولنا أو يتصرفون بها، فيما يشير إلى أن التجار واللحامين في جنين اضطروا لرفع أسعار اللحوم إلى 55 شيقلاً، فهم غير قادرين على التهريب، وفي بعض المناطق يتم بيعها بسعرٍ أقل، لأن العجول مهربة.

اللحام وتاجر العجول عدنان أبو العدس من قلقيلية، الذي يعمل في هذا المجال منذ 40 عاماً، يؤكد لـ"القدس" دوت كوم أنه غير قادر على إدخال العجول التي هي ملك له، فهو كما يقول، لديه شراكة مع تجار إسرائيليين في مزارع بالداخل. ويضيف: "العجول زاد وزنها، وأصبحت 700 كيلوغرام، ويجب أن لا تزيد عن 500 كيلوغرام، ما اضطرنا إلى بيعها بأسعار أقل في الداخل لأجل إيقاف الخسارة"، فيما يشير إلى أن سعر كيلو العجول في إسرائيل أرخص من المستوردة من الخارج بفرق 5 شواقل في كل كيلو، "يجب أن يعطى لنا المجال فترة ،لا أن يتم الوقف مرة واحدة".

أما اللحام وجيه علي (أبو عادل)، وهو صاحب ملحمة في بيتونيا ويعمل لحاماً منذ 30 عاماً، فإنه يؤكد في حديث لـ"القدس"دوت كوم أنه تأذى كثيراً من قرار الحكومة بشأن منع استيراد العجول، معتبراً أنه يجب إقامة بنية تحتية قبل تطبيق القرار.

"الزراعة": أسعار بعض العجول المستوردة من الخارج أقل من المستوردة من إسرائيل

من جانب آخر، ينفي الوكيل المساعد للقطاع الاقتصادي في وزارة الزراعة طارق أبو لبن أن تقوم وزارة الزراعة أو أي وزارات أُخرى بالاستيراد المباشر، بل يتم الاستيراد من خلال المستوردين في القطاع الخاص فقط، من خلال 6 شركات استيراد، والباب مفتوح أمام من يريد الاستيراد حال استيفاء الشروط اللازمة والإجراءات عبر الوزارات والجهات المختصة.

ويوضح أبو لبن: "الاستيراد مسموح للجميع، فمن يقوم باستكمال إجراءاته ووثائقه من تسجيل في وزارتي الاقتصاد والمالية، والحصول على حظيرة مناسبة، يحق له أن يستورد بشكل مباشر، والباب مفتوح أمام من يريد استيراد كميات قليلة من العجول أو كميات كبيرة".

وحول ما يقوله تجار العجول واللحامون الفلسطينيون من أن أسعار العجول المستوردة من الخارج مرتفعة مقابل العجول التي يتم استيرادها من إسرائيل، يؤكد أبو لبن أن السعر يقارن من نفس الصنف والوزن والعمر مع نظيره الإسرائيلي، هكذا تكون المقارنة، فكل صنف من العجول ومواصفاته يختلف سعره، والمقارنة تكون بين الوحدة نفسها بين التاجر الفلسطيني والإسرائيلي، وبعض الأسعار للعجول المستوردة من الخارج أقل من تلك المستوردة من إسرائيل".

في حين يشدد أبو لبن على أن وزارة زراعة تعمل من أجل تأهيل جميع العاملين في القطاع الحيواني بالاسترداد الضريبي في كافة القطاعات الحيوانية، بالتنسيق المباشر بين وزارتي الزراعة والمالية، علاوة على أن الوزارة تقدم الخدمات البيطرية مجاناً للمزارعين، وبعض الخدمات تقدم بأسعار رمزية.

ويؤكد أبو لبن أن أسعار اللحوم لن تتأثر بقرار الحكومة، فهناك ضبط للأسعار من قبل وزارة الاقتصاد ونتابعها، "والبعض يحاول الترويج لأننا نستورد اللحوم من إسرائيل ولا نستورد العجول، وهذه محاولة لتمرير فكرة تشويه الحقائق وعدم الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، فنحن لا نستورد لحوماً من إسرائيل، ما يجري أن بعض أنواع من اللحوم، وتحديداً فخاذ العجل، سعرها منخفض، وتلبي حاجات المواطنين من فئات معينة تعتاش منها، وهي حالة خاصة، ولم يسبق لأي وزارة أن أعطت تصاريح استيراد لا قبل قرار الحكومة بمنع استيراد العجول ولا بعده".

في شأن آخر، يؤكد أبو لبن وجود عجز بقدرات المسالخ، ويتم ذبح ما نسبته 80% من الذبائح خارج المسالخ، ولكن توجد خطة حكومية بتعزيز الذبح وتطوير المسالخ.

خطة زمنية للاستغناء عن السوق الإسرائيلية

يقول الناطق باسم لجنة تجار عجول وملاحم الضفة الغربية، عمر النبالي، في حديث لـ"القدس" دوت كوم: "إن التجار اعتادوا منذ سنوات طويلة على شراء العجول من إسرائيل كونها المنفذ الوحيد لشراء العجول، سواء من تجار إسرائيليين أو تجار فلسطينيين في الداخل".

ويضيف: "إن الاستيراد عبء علينا مادياً، ونفتقر للبنية التحتية في المزارع، علاوة على أننا في ظل الاحتلال لا نستطيع أن نستورد والقرار بحاجة إلى حماية، لا توجد عجول في السوق الفلسطينية، والتهريب يغطي الملاحم، خاصة أن الحكومة لا تسيطر على جميع المناطق، ما نطلبه الآن خمس سنوات مهلة زمنية ورسم خطة زمنية للاستغناء عن السوق الإسرائيلية، يتم فيها استيراد عجول صغيرة وأبقار أمهات، وإقامة مزارع ببنى تحتية كاملة، ولا بد من دعم الأعلاف وتوفير البيطرة مجاناً أو بأسعار رمزية من قبل وزارة الزراعة".

في سياق آخر، يقول النبالي: "إن ما بدا لافتاً لنا أنه يتم السماح لاستيراد اللحوم التي يشرف على ذبحها الحاخام اليهودي، ويتم منع إدخال العجول، هذا تخبط، وكانت لنا خطوات احتجاجية علقناها حالياً على أمل أن يُحل الموضوع في الأيام القادمة".

من جانب آخر، يؤكد النبالي أنه "جرى تشكيل لجنة لأصحاب الملاحم وتجار العجول، ونسعى لترخيص نقابة لنا، لأن وجود النقابة يحمينا ويحمي السوق والتاجر والمواطن".

مقترح باتخاذ إجراءات غير مباشرة بحق استيراد العجول من إسرائيل

ويؤكد المحاضر في قسم الاقتصاد في جامعة النجاح د. نائل موسى، لـ"القدس" دوت كوم، أنه كان بالإمكان تشجع الحكومة تربية العجول المحلية، مع إبقاء الاستيراد من الخارج ومن إسرائيل.

ويؤكد موسى أنّه "عند تخفيض العائدات من القيمة المضافة على الأعلاف وحدها واتخاذ إجراءات تسهل الاستيراد وتزيد من ربحية المنتج المحلي، وتشجيع تربية المنتج المحلي، والعمل أيضاً على تسهيل إدخال العجول من الخارج وإسرائيل وتقديم تسهيلات للمزارعين والمستوردين من الخارج بدون المنع من إسرائيل، تلقائياً يمتنع التاجر عن الشراء من إسرائيل، لكن دون المنع من إسرائيل".

ويشير موسى إلى أن ارتفاع أسعار العجول على مدار 25 عاماً الماضية سببه عدم امتلاكنا تسعير المنتجات ونتبع الأسعار في إسرائيل، علاوة على أن العجول ارتفعت أسعارها في إسرائيل، ولكن ارتفع الدخل، ولدينا ارتفع السعر دون ارتفاع الدخل، إضافة إلى أن المزارعين الإسرائيليين مدعومون حكومياً، فيما أسعار اللحوم لدينا أعلى بكثير مقارنةً بدول الجوار.

كما يشير موسى في تعقيبه على احتاجات تجار العجول الإسرائيليين قائلاً: "التجار الإسرائيليون يستوردون العجول الصغيرة من الخارج ويربونها في مزارعهم ثم يبيعونها لنا، وبيعها لنا يشكل قاعدة أساسية للتجار الإسرائيليين، لذا جاءت هذه الاحتجاجات".

90 % من العجول في إسرائيل تُستورد من الخارج وتُباع للفلسطينيين

يشدد المحرر الاقتصادي جعفر صدقة في حديث لـ "القدس"دوت كوم على أنّ من يربي في المزارع الإسرائيلية والمتضرر هم أربعة تجار إسرائيليون يحتكرون العجول المستوردة ثم يبيعوننا إياها، حيث إن من بين 120 ألف عجل تأتي إلينا من إسرائيل، 90% منها من خلالهم، وهؤلاء التجار لديهم مراكز نفوذ وأدوات ضغط يضغطون من خلالها على الحكومة الإسرائيلية.

ويقول صدقة: حسبما رأينا إبان أوج أزمة منع استيراد العجول لمسنا ما عبر عنه المزارعون الإسرائيليون من وجود ضرر كبير، لكن الضرر الأكبر كان على التجار الذين يستوردون العجول من الخارج، فهم ضغطوا على الحكومة الإسرائيلية لفرض عقوبات على السلطة"، مشدداً على أن المشكلة لدى الجانب الفلسطيني ليست في الاستيراد من إسرائيل، بل احتكارها من قبل تجار، وطالما التاجر الفلسطيني يستطيع الاستيراد من المصدر نفسه فلماذا يتم اسيرادها من إسرائيل؟!

وحول ما يقوله تجار العجول الفلسطينيون بأن أسعار العجول المستوردة من الخارج أغلى من التي تُستورد من إسرائيل، يعقب صدقة: "لا أظن أن الكلام دقيق، لكن وإن كانت أغلى، فما المانع أن ندفع في معركة التحرر الوطني، ثم إن كان تاجرنا يستطيع الاستيراد من المصدر نفسه الذي يستورد منه التاجر الإسرائيلي فلماذا تكون الأسعار أغلى؟".

ويشدد على أن الحل لهذه الأزمة يكمن بالتوصل إلى فتح المجال لكل المصادر أمام التاجر الفلسطيني، بما فيها إسرائيل، بدل أن يحتكر قطاع العجول 4 تجار إسرائيليون.

ويشدد صدقة على أن المشكلة في اتفاقية وبروتوكول باريس وليست في قضية العجول، فكل الواردات محكومة بالغلاف الجمركي الواحد مع إسرائيل، والمطلوب الآن تغيير بروتوكول باريس الاقتصادي، علاوة على أن هناك كوتة معينة في اتفاقية باريس تملكها السلطة تكون خارج نطاق التعرفة الجمركية الإسرائيلية، والسلطة تفرض عليها الجمارك نفسها، ومن الممكن الضغط على السلطة لتخفيض هذه الجمارك.

ولتعزيز منتج العجول الفلسطيني، فإن صدقة يرى أنه لا بد من حل قضية الأعلاف، حيث إننا نغطي 20% من حاجة السوق الفلسطينية من الأعلاف، والبقية نشتريها من إسرائيل، وربما أن العمل على خطة إنشاء مصانع أعلاف بالضفة الغربية هامة لتعزيز الإنتاج المحلي من الأعلاف، من أجل تخفيض فاتورة الأعلاف التي تزيد عن 100 مليون دولار سنوياً.

ويتابع: "ثم إن قضية تعزيز منتج العجول قضية مترابطة، فهي بحاجة لبنية تحتية وبحاجة لإنشاء مزارع أبقار والعمل على كيفية تعزيز المنتج الوطني فيها من الحليب ومشتقاته، فالسوق الفلسطينية حصتها من الحليب ومشتقاته من المنتج الإسرائيلي كبيرة، وهناك عشرات الأصناف لا ننتجها، ويجب البحث عن وجود خطوط إنتاج جديدة تنتج هذه الأصناف غير المتوفرة لدينا".

صدقة يشدد على أنه لا يوجد دعم من الحكومة للمزارع، فالسلطة مصادر إيراداتها العامة من الجمارك على الواردات، وحتى تستطيع أن تقلل العجز المالي في الموازنة تضطر لزيادة العجز التجاري بيننا وبين العالم، بما فيه إسرائيل، لأجل أخذ جمارك على الواردات، وهذه سياسة مدمرة، وربما ليس في يدها غير هذا الأمر، لكنها بالنهاية سياسة مدمرة للإنتاج المحلي، ويجب التفكير بشكل جدي بهذه المسألة، وإعادة النظر فيها وتشجيع المنتج المحلي حتى لو خسرنا جزءاً من الإيرادات على المديَين القصير أو المتوسط، ولكن على المدى الطويل سيكون الأمر ذا فائدة عظيمة، سواء على صعيد تشجيع قطاع الأعمال بما يعود بإيردات أكبر على الحكومة أو على صعيد توفير فرص عمل، لكن الأمر بحاجة لتحملٍ وصبرٍ وتفهُّمٍ من الجميع.

في شأن آخر، يؤكد صدقة أن مقارنة الأسعار مع دول الجوار فها تضليل لأنه تُفرض علينا الجمارك نفسها مع إسرائيل، وتُفرَض علينا الأسعار ذاتها، برغم وجود تباين بين الدخل لدينا وفي إسرائيل، فنحن مُلحقون باتفاقية باريس الاقتصادية.

ووفق صدقة، فإن من شأن ما أكده وزيرة المالية شكري بشارة في أكثر من مناسبة، حول تعديل النظام الضريبي في فلسطين، أن يحقق العدالة، وهو أمر إيجابي، كإعفاء مستلزمات الرضع تحت سنتين إعفاء تاماً، وتخفيض الجمارك بشكلٍ لافت على أسعار المواد الأساسية ورفعها في بعض السلع الكمالية، "فالنظام الضريبي لدينا يفتقر للعدالة، فهناك 95% من الضرائب مفروضة على الاستهلاك".

200 مليون دولار قيمة العجول المشتراة من إسرائيل سنوياً

يشدد الوكيل المساعد للقطاع الاقتصادي في وزارة الزراعة طارق أبو لبن، في حديث لـ"القدس"دوت كوم، على أن قرار الحكومة بمنع استيراد العجول يأتي ضمن معيار الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، وتعزيز المنتج الوطني كبديل للمنتج الإسرائيلي، وتوطين العجول من خلال القطاع الخاص الفلسطيني، حيث تبلغ قيمة ما يتم شراؤه من العجول سنوياً من إسرائيل 200 مليون دولار، والخدمة يمكن توطينها بدلاً من شرائها من إسرائيل.

ويشير أبو لبن إلى أن تجار العجول الإسرائيليين يُروجون لدى المزارعين في أوروبا أنه لن يسمح للمزارع الفلسطيني بالاستيراد المباشر، على رغم أن الاستيراد من الخارج هو حق للفلسطينيين وفق بروتوكول باريس الاقتصادي.

ويشير أبو لبن إلى أن وزارة الزراعة الفلسطينية توصلت إلى اتفاق قبل نحو شهرين بأن يتم إدخال العجول من إسرائيل للسوق الفلسطينية بحسب الحاجة وبما يسد العجز، وأيضاً استجابةً لاسترحامات تقدم بها بعض تجار العجول لإدخال عجول لهم اشتروها ودفعوا ثمنها لتجار إسرائيليين دفعات مسبقة قبل قرار الحكومة.

ومنذ صدور قرار الحكومة بتاريخ 9-9-2019، أصدرت وزارة الزراعة أذون استيراد من الخارج لـ 10700 عجل عبر مستوردين فلسطينيين، لكن تم احتجاز بعضها شهراً ونصف الشهر، ما سبّب خسائر للمستوردين، في حين دخل منها لغاية شهر كانون الأول 2019 سبعة آلاف عجل.

ويشدد أبو لبن على أن "قرار منع استيراد العجول هو قرار حكومي مأخوذ من قرار القيادة الذي يمثل الشعب الفلسطيني في قرارات المجلسين المركزي والوطني، والوزارة تنفذ القرار بالنيابة عن الحكومة، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يتمتع بحقوقه".

ويؤكد أنه يوجد في السوق الفلسطينية ما يكفي من العجول دون أن تتأثر السوق، وتتم متابعة الأسعار، بحيث لا يكون تغوُّل من قبل التجار، وتم استيراد 7 آلاف عجل من إسرائيل عقب قرار الحكومة لسد العجز فقط، وتم استيراد 6 آلاف عجل من الخارج.

ويتطرق أبو لبن إلى قضية مكافحة تهريب العجول، إذ يوضح أنه جرى ضبط الكثير من المهربين، وتمت إحالة الكثير منهم إلى المقتضى القانوني، فهناك قانون يغلظ العقوبة على التهريب، ونحن نتابع تهريب العجول.

ويتابع: "القانون يتيح الكثير من العقوبات، بينها غرامات، حيث جرى تغريم بعض المهربين، وتكررت العقوبة ذاتها، ومن لم يرتدع فُرضت عليه عقوبة السجن، وكذلك من بين العقوبات إتلاف المضبوطات أو بيعها بالمزاد".