نيويورك تايمز: الطبيعة الأم تَسخرُ من خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- كتب توماس فريدمان (الأربعاء/ 5 شباط 2020) مقاله الأسبوعي، الذي تنشره له نيويورك تايمز، تحت عنوان "الطبيعة الأم تسخر من خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط" واستهله قائلا، "إن صفقة القرن لم تذكر الطبيعة الأم إلا في بضع جمل قصيرة. ولا شك في أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن أن تغير المناخ هو مجرد أكذوبة، ليس لديه فكرة أن شرق البحر المتوسط قد عانى من ظروف الجفاف لمدة 15 عاماً من العشرين عاماً الماضية، وهو شيء لا مثيل له في السجل التاريخي الحديث".

ويضيف فريدمان "تتنبأ دراسة أجرتها جامعة تل أبيب مؤخراً بأن شرق البحر المتوسط سيصبح أكثر دفئاً وجفافاً بإطراد، وسيفقد تدريجياً شهرين من شهور فصل الشتاء -أي شهور هطول الأمطار- خلال الـ25 عاماً القادمة. وفي الوقت نفسه، كان عدد سكان إسرائيل 800 ألف نسمة في عام 1948، ولكنه اصبح الآن 8.7 ملايين نسمة. وكان عدد سكان الأردن آنذاك 450 ألف نسمة، وأصبح الآن 10 ملايين نسمة. وكان عدد سكان سورية ثلاثة ملايين نسمة، وبات الآن 17.5 مليون نسمة. ولذلك، سيشمل المستقبل عدداً متزايداً بإطراد من السكان، وكمية متناقصة بإطراد من المياه".

ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل اعتادت ضخ ما يصل إلى 500 مليون متر مكعب من المياه سنوياً من بحيرة طبريا، لتلبية الاحتياجات المحلية، بما في ذلك ري الحقول الزراعية في جنوب إسرائيل، لتحويل الصحراء إلى مساحات خضراء" لافتا إلى أنه "في عام 2018، لم تستطع إسرائيل ضخ سوى 30 مليون متر مكعب فقط. ففي صيف عام 2018، انخفض منسوب المياه في بحيرة طبريا بشدة بسبب الجفاف وسحب المياه لتلبية احتياجات السكان المتزايدين لدرجة أنه هدد بتحولها إلى بحيرة مالحة أخرى، مثل البحر الميت. فقد انخفض منسوب المياه فيها لدرجة أن جزيرتين ظهرتا في منتصف البحيرة".

ويحذر فريدمان "للأسف، في الخمسين سنة الماضية، انخفض التدفق السنوي لنهر الأردن إلى حد كبير. فمع استحواذ كل من إسرائيل والأردن وسوريا على أكبر قدر ممكن من المياه النظيفة منه، تُعتبر مياه الصرف الصحي هي أكثر ما يبقي النهر يتدفق هذه الأيام. ولكن نظراً لأن الكثير من النهر يُصنف كمنطقة عسكرية مغلقة، لا يعلم معظم السكان أنه يجف تدريجياً".

ويوضح الكاتب أن "المصدر المضمون الوحيد للمياه بالنسبة للمراكز الحضرية والمزارع الكبيرة في إسرائيل على سواحلها هو المياه المحلاة ومياه الصرف المعالجة، التي تنطوي على مشاكل كيميائية. والآن، من أجل التكيف مع تغير المناخ، يتعين على إسرائيل عكس اتجاه نظامها الوطني لنقل المياه -لنقل المياه المحلاة من محطات المياه الساحلية إلى الشمال، إلى بحيرة طبريا. وفي الوقت نفسه، لا يوجد في غزة مرافق كافية لمعالجة مياه الصرف الصحي، ولذلك يتدفق حوالي 100 مليون لتر من مياه الصرف الصحي الخام من غزة كل يوم إلى البحر المتوسط. ويأخذها تيار البحر إلى أعلى الساحل مباشرة، حيث تدخل نفايات غزة في مرشحات محطة تحلية مياه عسقلان الكبيرة في إسرائيل، والتي لا بد من إغلاقها بشكل متقطع لتنظيفها".

وفي الأردن، يقول الكاتب "خفضت عمان مؤخراً خدمات المياه البلدية من يومين في الأسبوع إلى ثماني ساعات في الأسبوع لسكانها، الذين يضطرون لشراء ما تبقى من المياه من البائعين المستقلين. وكان على الأردن استيعاب 1.5 مليون لاجئ من الحرب في سوريا، والتي كان أحد أسبابها هو الجفاف".

ويرى الكاتب أن الشعب الأردني يستحق جائزة نوبل للسلام، لاستيعابه السلمي للكثير من اللاجئين، كما يوجد في الأردن 600 ألف شخص يعيشون على جانب غور الأردن. ومع تعطل الأسواق في كل من العراق وسوريا وانخفاض إمدادات المياه نتيجة للجفاف، بلغت نسبة بطالة الشباب على الجانب الأردني من الغور 40%.

ويضيف الكاتب "لم يعد من الممكن مواصلة زراعة المحاصيل شديدة الاستهلاك للمياه التي يزرعوها الاردنيون والإسرائيليون في الغور، وتجعل هذه الظروف معظم هذه المجتمعات فقيرة" مدعيا أن "الأردن كان ثالث أكبر مصدر للمجندين الشباب لتنظيم داعش في العالم العربي، ولا شك أن الكثير من هؤلاء المجندين قد جاءوا من غور الأردن المليء بالشباب المحبطين الذين لا يستطيعون الحصول على وظائف، وبالتالي لا يمكنهم الزواج -إنها ثلاثية الانحدار البيئي والفقر والتطرف".

ويلفت الكاتب إلى أن إسرائيل وغزة تستمدان معظم مياههما من طبقة المياه الجوفية الساحلية، وأن "جزء غزة من تلك الأرض قد انهار بالكامل في ظل سوء إدارة حماس والحصار الإسرائيلي والإفراط في الاستخدام، واصبحت حوالي 97% من المياه الجوفية في غزة غير صالحة للشرب، ويعيش السكان هناك عن طريق ملء أوعية بمياه من محطات تحلية المياه الصغيرة التي يديرها بائعون مستقلون ومنظمات دولية، وبالتالي ، ترتبط حوالي ربع الأمراض المنتشرة في غزة اليوم بمياه الشرب غير الصحية. كما تستنفد طبقة المياه الجوفية الجبلية التي تسير أسفل العمود الفقري للضفة الغربية وإسرائيل وتتلوث بسرعة".

ويشير الكاتب إلى أن "المستوطنين اليهود في الضفة الغربية مرتبطون بنظام المياه الإسرائيلي من خلال شبكة متطورة تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ولكن المدن الفلسطينية ليست كذلك، ولذلك، في أشهر الصيف الحارة في بيت لحم، على سبيل المثال، يحصل السكان على المياه البلدية بشكل متقطع. وتوجد أيضاً العديد من القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية التي لا تملك مرافق لمعالجة مياه الصرف الصحي. وتُضخ مياه الصرف الصحي الخام الخاصة بهم في حفر في الأرض، ما يؤدي إلى تسرب السوائل إلى المياه الجوفية بينما تتراكم المواد الصلبة، التي يتم إلقائها لاحقاً في الوديان".

ويقول الكاتب، إنه بذلك "تبدو أي خطة سلام لتقسم الضفة الغربية إلى مساحات وجدران وطرق سياسية مهجورة -مدفوعة برغبة ترامب وجاريد كوشنر لتحقيق استقرار المستوطنين اليهود عشوائياً في الضفة الغربية، دون أي منطق من الناحية الطبيعية، فالنظام البيئي هو نظام واحد، ولن يكون هناك أمن فعلي لأي طرف إن لم يكن هناك أمن بشري للجميع. فقد جاء السلام والازدهار إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من خلال إنشاء السوق المشتركة، التي شُيدت على تداول مصدر الطاقة والمنتجات الصناعية الرئيسية في القرن الماضي- الفحم والصلب. وسيتحقق السلام بين الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين من خلال توحيد كياناتهم السيادية على أساس البحر والشمس".

ويعتقد الكاتب أن "الطريقة الوحيدة لحصول الإسرائيليين والفلسطينيين والأردنيين على أمن المياه والطاقة في تحلية المياه على نطاق واسع، والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك –دون تأجيج تغير المناخ- تتمثل في توليد الطاقة الشمسية على نطاق واسع، خاصة وأن غزة وإسرائيل تتمتعان بقدرة هائلة على الاستفادة من البحر الأبيض المتوسط للحصول على المياه المحلاة، ويتمتع الأردن بقدرة كبيرة على الاستفادة من صحاريه الفارغة الشاسعة لتوليد الطاقة الشمسية". ولذلك "يجب ربطهم جميعاً في اتحاد يسخِّر البحر والشمس -مع وجود لجان مشتركة لإدارة المياه والطاقة والأمن الغذائي- على نحو يخلق علاقات متبادلة صحية. ثم يمكنهم جميعاً بأن يرتقوا اقتصادياً سوياً" .

ويختتم الكاتب فريدمان مقاله بالإشارة إلى أنه "وفق هذه الصيغة، سيتعين أن ينطوي أي سلام على الاحترام المتبادل واحترام الأنظمة الإيكولوجية للطبيعة الأم -على عكس طريقة تفكير المتطرفين السياسيين الذين يوجهون هذه القصة الآن ويعبثون بالطبيعة الأم. فليس من الذكاء العبث بالطبيعة الأم، كما اكتشف الأستراليون".