ما بين شيخ يقاوم ...وشيخ يساوم!

بقلم : راسم عبيدات

هناك من رجال الدين المسلمين والمسيحيين من خرجوا من جدران مساجدهم وكنائسهم الى الفضاء الأرحب، فضاء الوطن من اجل مقارعة المحتلين والالتحام مع جماهير شعوبهم وتبني قضاياهم وهمومهم، والنضال ضد المحتلين ... ضد الظلم والإضطهاد وامتهان الكرامة ومصادرة الحقوق، ولعل الشيخ المجاهد عز الدين القسام القادم من قرية جبلة في ريف اللاذقية السورية والذي شارك في الثورة الفلسطينية ضد المستعمر البريطاني وليستشهد في احراش يعبد بعد معركة شرسة مع القوات الإستعمارية البريطانية، في 20/11/1935، ولتكن نضالاته وتضحياته " بروفات" للثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 لم يكن هذا الشيخ السوري عز الدين القسام، وحده من خرج خارج جدران جامعه ومسجده لمقارعة المحتل، بل كان مطران حلب المناضل هيلاريون كبوتشي الذي خرج خارج جدران كنيسته، ليلتحق بالثورة الفلسطينية، عندما شاهد ظلم الاحتلال وطغيانه، لم يستطع السكوت على ذلك، فخرج مناضلاً في سبيل حرية الشعب الفلسطيني، وليجري اعتقاله من قبل أجهزة امن الاحتلال والحكم عليه بإثني عشر عاماً، بتهمة تهريب السلاح لحركة فتح، وبعد تدخل الفاتيكان جرى نفيه لخارج القدس بعد مضي اربعة أعوام على اعتقاله، ولكن ظلت القدس تسكن فيه حتى لحظة وفاته في المنفى.

وكما هو مطران حلب والقدس الراحل هيلاريون كبوتشي، كذلك هو مطران سبسطية وسائر الأراضي المقدسة، المطران عطا الله حنا، الذي تعرض مؤخراً لمحاولة تسميم قذرة، هدفها اسكات صوته المقاوم، فهو يعلي صوته دائماً ضد تعسف وظلم المحتل، ويدعو لوحدة شعبنا الفلسطيني، والحفاظ على فسيفسائه المتنوعة، ولا يرى بالعرب المسيحيين، أقلية، لأنهم عرب، والعرب ليسوا أقلية في أوطانهم، وأقلنة العرب المسيحيين يؤقلن عروبتهم، وتجده حاضراً في كل الأنشطة والفعاليات والمناسبات وطنية، دينية ومجتمعية .. أنه صوت عروبي حر مقاوم. وكذلك الشيخ عكرمة صبري، رئيس الهيئة الإسلامية العليا، وخطيب المسجد الأقصى، هو مدافع عن قضايا شعبه وعن القدس والمقدسات، ويرى بان القدس والمسجد الأقصى خطان احمران،وأن الأقصى لن يهود او يقسم مكانياً، فهذا مكان عبادة إسلامي خالص بمساحته المعرفة، 144 دونماً، بمساطبه وقبابه وساحاته. ويرى ضرورة الرباط والتواجد فيه، لكي يتم منع الجماعات التلمودية والتوراتية من اقتحامه واداء طقوسهم وصلواتهم وتعاويذهم التلمودية والتوراتية في ساحاته، وكذلك منعهم من تنفيذ مخططاتهم بفرض تغيير الواقع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى بقوة الأمر الواقع، والسيطرة على مصلى باب الرحمة.

قوات الإحتلال وشرطته أبعدت شيخ الأقصى وخطيبه الدكتور عكرمة صبري إسبوعاً عن المسجد الأقصى،وأبعدت قبله في العام الماضي 55 مواطناً فلسطينياً من القدس والداخل الفلسطيني- 48- وكذلك طالت تلك الإبعادات عددا من حراس وموظفي المسجد الأقصى، والإحتلال بإستهداف الشيخ عكرمة صبري بالإبعاد عن المسجد الأقصى،هو استهداف للعلماء ورجال الدين، وتطور خطير في " تغول" و "توحش" الاحتلال على قدسنا ومقدساتنا.

الشيخ عكرمة وجد بان قرار الاحتلال بإبعاده عن الأقصى، مساً بحقه بالدخول الى الأقصى ومساً كذلك بحرية العبادة، والمشاعر الدينية له ولأبناء شعبه ودينه، وكان قراره بكسر قرار إبعاده عن الأقصى لمدة أسبوع، حيث حُمل في صلاة الجمعة قبل الماضية على الأكتاف وادخل للأقصى من قبل أبناء شعبنا الفلسطيني، وبعد ذلك جرى اصدار امر إحتلالي جديد بإبعاده عن الأقصى لمدة أربعة شهور،حيث أخضع لتحقيق استمر لساعات حول تحدي أمر ابعاده واتهامه بالتحريض على الرباط في الأقصى، هذا الرباط جزء من جانب عقدي وديني يدعو المسلمين للدفاع عن مقدساتهم.

مسلسل العقوبات الإسرائيلية بحق الشيخ عكرمة صبري وغيره من العلماء ورجال الدين وحراس الأقصى والمواطنين، حرك المياه الراكده، حيث أعلن المبعدون عن الأقصى بعد لقائهم مع عدد من المؤسسات الحقوقية والإنسانية وتلك المؤسسات التي تعنى بحرية العبادة وأداء الشعائر الدينية، بأنهم عازمون على كسر قرار إبعادهم عن الأقصى، وهناك حق كفلته لهم كل القوانين الوضعية، بممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وكذلك الوصول الى تلك الأماكن الدينية، وان إبعادهم يتنافى مع كل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية، وهو لا يحترم لا حقوقهم ولا مشاعرهم الدينية، ويرون في ذلك شكلا من أشكال البلطجة والعقاب الجماعي والظلم والتعسف المقصودين.

مواقف الشيخ عكرمة صبري بنى عليها المبعدون عن الأقصى، بأنه ليس من حق الإحتلال ان يمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، والتي يجب ان تكون مصانة وفق القوانين والشرائع الدولية والسماوية.

أمام هذه اللوحة والصورة الإيجابية والمشرقة التي عكسها رجال الدين المسلمين والمسيحيين عن دور رجال الدين في خدمة شعبهم ووطنهم، نرى بأن هناك منهم من ارتضى ان يكون خادماً ذليلاً لأسياده وحكامه وحتى من يحتلون أرضنا ويغتصبون مقدساتنا،إنه شيخ من شيوخ سلاطين دولة خليجية، هذا النظام الذي فتح الباب على مصراعيه للتطبيع العلني والشرعي والرسمي مع دولة الإحتلال.

ويا للعجب سمح وزير داخلية الإحتلال، آرييه درعي، لمواطني دولة الاحتلال بزيارة السعودية للأغراض الدينية والتجارية والسياحية، دون شروط ولمدة تصل الى تسعين يوماً، وكذلك سمح للمواطنين العرب من عرب الداخل الفلسطيني - 48 - بالذهاب الى السعودية من أجل اداء مناسك الحج والعمرة بجواز السفر الإسرائيلي الذي يحملونه قسراً.

وأبعد من ذلك ذهب وزير عدل سابق ورئيس ما يسمى برابطة علماء المسلمين، محمد العيسى، الى بولندا، لكي يشارك في إحياء ذكرى المحرقة " الهولوكست،وليؤدي صلاة مشتركة اسلامية - يهودية تضامناً وحزناً على ضحايا المحرقة النازية من اليهود.ونحن كفلسطينيين ضد المحرقة وضد الظلم والاضطهاد بحق الإنسان بغض النظر عن الجنس واللون والدين والمعتقد...ولكن ماذا عن " الهولوكست" المستمر بحق شعبنا الفلسطيني، والذي يحرم من حقوقه بالعيش في حرية وكرامة والتحرر من نير الإحتلال، وإقامة دولته على جزء من أرضه التاريخية التي اغتصبها المحتلون واقاموا دولتهم عليها؟!

نحن ندرك بان هذا العالم تحركه المصالح والاموال، وليس مبادىء القانون الدولي ولا القيم ولا الأخلاق ...ولكن من يصلي ضد المحرقة الأجدر به ان يصلي ضد من يحتلون أرضنا ويحاولون السيطرة على مقدساتنا، وممارسة الطرد والتطهير العرقي بحق شعبنا الفلسطيني.

نعم "شيخ عن شيخ يفرق"، فهناك شيخ ارتضى ان يبقى الى جانب شعبه ويدافع عن أقصاه،وتحمل عسف وظلم المحتل،ودافع عن حقه في الصلاة فيه،وشيخ يؤدي دور المطبع الخادم الذليل.