فلسطين ومقاصد المانحين.. قراءة أولية

بقلم: محمد خالد الأزعر

غداة صمودها في معركة الكرامة (آذار 1968) باتت المقاومة الفلسطينية، ورائدتها حركة فتح، قبلة لجموع غفيرة من الفلسطينيين وبعض العرب، الذين استأنسوا فيها القدرة على الانتقام من هزيمتي 1948 و1967، تحت شعارات وإلهامات نماذج حروب الشعب التحررية الناجحة.

كان ذلك التنادي إلي رحاب (الثورة) واعداً ومبشراً، لولا أنه اقترن بتحولات لم تكن جميعها إيجابية بالنسبة لسيرورة الحركة الوطنية الفلسطينية؛ لعل أبرزها وأكثرها سلبية وامتداداً في الأجل والمفعول: التوسع الأفقي باستقبال آلاف العناصر من ناحية، واعتماد أسلوب «التفرغ» للعمل الوطني بمكافآت مالية وحوافز اقتصادية، عوضاً عن «التطوع» بأزهد التكاليف؛ الذي اتسمت به عموماً مرحلة ما قبل يوم الكرامة من ناحية أخرى.

لاريب في أن تلك النقلة النوعية الفارقة أضافت زخماً مادياً ومعنوياً كبيراً للحركة الكفاحية الفلسطينية؛ لكنها ألقت عليها في الوقت ذاته بتبعات ثقيلة، كونها اختلطت ببعض الانفعالية وردفت السياق بسواعد كثيرة دون تمحيص لأصحابها واختبار لطاقاتهم الحقيقية.

ثمَّ إنها إلى ذلك، حمَّلتها أعباء مادية ضخمة بما دفعها لمزيد من الاعتمادية المفرطة على التمويل الخارجي. ويقيناً لم يكن الممولون جميعهم من ذوي النيات الحسنة ولا الأجندات العاطفة بإخلاص وطهرية كاملين على قضية الثورة.

ومما قيل في هذا الباب ضمن الأدبيات ذات الصلة أننا إزاء حالة من(الثروة التي أفسدت الثورة).

ربما كان هذا الاعتقاد مشوباً بالمبالغة، لكنه لا يفتقر تماماً إلى الصدقية.

ومن هنا كانت الإشارات والتحذيرات المبكرة من لدن بعض الغيورين على نقاء الثورة واستقامتها وسلامة مؤسساتها، إلى أخطار التضخم الوظيفي والبيروقراطي عليها.

غير أن التحول صار بمرور الوقت أمراً مفعولاً وأخذ اندفاعه ذاتية، حتى أصبح الاستدراك والعلاج وتصحيح المسار بالعودة إلي زمن الزهد والتقشف وروح التطوع أموراً صعبة المنال.

والأمر كذلك، فإن ما عرفه عهد السلطة الفلسطينية من توسع في عمليات التوظيف داخل أجهزتها، لا يعبر عن ظاهرة استثنائية.

ففي سيرة الأطر الفلسطينية شيء ملحوظ من تقاليد التضخم الكمي العددي، الذي جاء غالباً خصماً من حساباتها على صعيد الكيف والنوعية.

ومن وجهة نظر تستحق التأمل، أن هذا الواقع ربما شكل حملاً ثقيلاً على فعالية النظام الفلسطيني وأضر بقدراته الحركية عموماً. يصدق هذا التقدير على عهد السلطة الوطنية صدقيته بالنسبة لمنظمة التحرير؛ ذلك لأنه تعين على النخب القيادية أن تتدبر دوماً متطلبات وشؤون وشجون الحجم الكبير، مالياً وإدارياً وتنظيمياً، تحت ظروف لم تكن دوماً مواتية ومعطيات متغيرة وموارد شحيحة.

والحق أن غلبة التمويل العربي للحركة الوطنية الفلسطينية في عهد المنظمة، شكل ضمانة لعدم الغلو في فرض الشروط على هذه الحركة وقراراتها، بما وفر هامشاً لما عرف باستقلالية هذا القرار. والظاهر أن هذه الضمانة والهامش الذي واكبها، قد شحبا إلى حد كبير في زمن السلطة؛ ويسهل فهم هذا المستجد في ضوء محاولات المانحين الدوليين للسيطرة على رقبتها مالياً واقتصادياً.

الحال الآن، بكلمات أخرى، أن هؤلاء المانحين، الغرباء عن الأروقة القومية العربية وأحانينها العاطفة علي حركة التحرر الفلسطينية، بلغوا من التنمر حدوداً قصوى، تكاد تجبر السلطة وشعبها على الانصياع بلا لبس لإملاءاتهم غير المتسقة مع قواعد العدل والإنصاف بالمعنيين التاريخي والحقوقي.

الحال، هو أفول زمن المواراة والنفاق بشأن الأهداف الحقيقية لقضية تمويل السلطة، بحيث لم يعد ثمة مجال للمداراة على أن المقاصد الأصلية للمانحين هي ربط أحشاء الفلسطينيين وإشباع حاجاتهم الأساسية والترفية الكمالية، بالطأطأة وغض الطرف عن بعض حقوقهم الوطنية الثابتة.. وللمتشككين في ذلك أن يقرأوا الخطابين الأمريكي أساساً والأوروبي نسبياً الموصولين بقضية المنح والمنع.

نحسب أن المحتجين على هذه المقاصد المريبة، عليهم أن يتناظروا حول أنماط التعبئة والسياسات التي أوصلت الحالة الفلسطينية إلى هذا المصير المؤلم، وعن كيفية مواجهة أخطاره.

ندفع بذلك وفي الخاطر أن المستقبل القريب، قد يشهد جرعة فائضة من ضغوط المانحين، وبخاصة من أنصار الفكر المادي الصرف، الذين لا يضمرون أهدافاً خيرية أو إنسانية صرفة ويستسهلون تطبيق نظرية الاقتصاد أولاً.

عن "البيان" الإماراتية