ظهر الشعب الفلسطيني لا ينكسر

بقلم : حمدي فراج

تقول الحكاية ان محققا اسرائيليا يجيد العربية – وكلهم بالمناسبة يجيدونها ، وبعضهم ينحدر من دول عربية يتقنون لهجاتها – اضطر الى استخدام حيلة جديدة مع معتقل فلسطيني بسيط عنيد صادق ، أعياهم في انتزاع اعتراف منه رغم توفر الدلائل، فما كان من هذا المحقق الا ان زج نفسه في الزنزانة ذاتها ، مدعيا انه قد اقترف خطأ بحق الادارة ، فتقاسما البرش والطعام والهم، وعندما حان وقت الظهيرة، قام للوضوء وتوضأ، وطلب من زميله ان يتوضأ ليصليا جماعة، وهكذا مع صلاة العصر والمغرب والعشاء، وخلال بضعة ايام، قال له المحقق: جمعتنا زنزانة واحدة واصبح بيننا "عيش وملح"، والاهم اننا وقفنا امام الله معا، فهل معقول ان أخونك او تخونني ، واقسم امامه على القرآن والصلاة المشتركة انه لن يخونه، فما كان من الاخير الا ان قدم كل الاعترافات المطلوبة ، بل وأكثر .

أردت ان تصبح وزيرا، لا بأس، ولكن الا يتطلب هذا وجود دولة اولا، او على الاقل وجود وزارة، لها موازنتها؟ ألا يتطلب هذا معرفة من اين يأتي تمويل وزارتك ومرتبات طاقمها وبنزين سيارتك وحارسك ومرافقك؟ الا تدرك ان هذا المنصب في الاساس منصب سياسي له استحقاقاته؟ الا تدرك انك تمثل شعبا له حقوق سياسية يقاتل جيلا وراء جيل لتحقيقها وانك اليوم واجهته الرئيسية من اجل هذا التحقيق؟ ألا تدرك ان الامتيازات الذاتية التي منحها لك عدوك، هي اشبه ما تكون بالرشوة، سرعان ما ستتحول الى جمرة في يدك وسياط على ظهرك؟ من قال ان ابنائي يجب ان يكونوا احسن من ابنائك، يتوارثوا عني الامتيازات والوظائف والسفر والجاه والواسطة في شعب ما زال ابناؤه يناضلون ويستشهدون ويعتقلون ويعذبون ويصمدون ، ثم يحاكمون اداريا ويصومون عن الطعام مئة يوم وأكثر؟

أما وأنك لم تكن تعرف كل ذلك، فها هي ست وعشرين سنة، قد عرّفتك، وها هو عمرك قد تجاوز الستين، ولم يبق منه أكثر مما انقضى، وأدركت ان المحقق استخدمك ومنصبك ووزارتك وملاّكها وميزانيتها وأبواقك و تصريحاتك التي اشبعت بها المنطقة عن السلام والمفاوضات والتعايش قد ذهبت كلها أدراج الريح لتحقيق هدف واحد اختزال النضال مقدمة لشطب ما تبقى للشعب من حقوق ولدولة فلسطين من ارض .

ربما تكون قد أدركت بعد ست وعشرين سنة، ان لا فرق بين المحقق الاول الذي كسّر عصاه على ظهرك اكثر من مرة، وبين المحقق الثاني الذي تقاسم معك الخبز والصلاة، ربما تكون قد ادركت أن جارك القريب افضل من اخيك البعيد، وان الاخوة لا تقتصر على من ولدته امك، وان الذي زوّد عدوك بالخبز هو نفسه الذي زودها بالعصي، ليستخدمهما كلاهما في كسر ظهرك ، لكن ظهر الشعب لم ينكسر لأنه أصلا لا ينكسر .