عندما يحلم ترامب ونتنياهو بإنهاء التاريخ!

بقلم: ماجد توبة

بما تُعدّه من حلول تصفوية للقضية الفلسطينية، تحاول إدارة الرئيس ترامب اليمينية المتصهينة واهمة إغلاق الستار على ابتلاع كل فلسطين من قبل كيان الاحتلال الإسرائيلي وشطب حقوق الشعب الفلسطيني بأرضه وتاريخه ومستقبله.

وبخلاف ما كان متوقعا ها هي تسارع الزمن لإعلان تفاصيل ما تسميه «صفقة القرن» وتقديمها كهدية على طبق من ذهب لنتنياهو ويمينه المتطرف قبل الانتخابات الإسرائيلية وبما ينقذ رقبته أيضا من حبل المحاكمة والتصفية السياسية.
إلى هذه الدرجة من البؤس والإذلال وصلت الحالة العربية والإسلامية، حيث يقامر ساكن البيت الأسود بأقدس قضايا الأمة دون أن يرفّ له جفن، بل ومبشرا باستتباع هذه التصفية بانفتاح تطبيعي وسياسي واقتصادي عربي على الكيان الإسرائيلي وإعادة تشكيل خريطة التحالفات والأخطار بالإقليم كله على الهوى الإسرائيلي الأميركي، قافزاً عن حقائق التاريخ والجغرافيا ومتعامياً عن إرادة الشعوب العربية التي لا يمكن أن تصادرها لحظة هوان رسمية بهذه اللحظة من التاريخ.


قبل أن يعلن ترامب تفاصيل ومحاور خطته المشؤومة اليوم كما هو متوقع وعشية لقائه بحليفه اليميني نتنياهو ومنافسه الأسوأ بيني غانتس الثلاثاء، باتت معالم هذه الصفقة واضحة وفاقعة على الأرض، تكريساً للاحتلال ووأداً لحل الدولتين وضماً للمستوطنات وغور الأردن وحدود الضفة لكيان الاحتلال والتفافاً على حق العودة للاجئين، وفتح الباب واسعا للآلة الصهيونية لخنق الكانتونات الفلسطينية الناتجة عن عمليات الضم والإلحاق وبما يمهد – كما يتوهّمون- للترانسفير.


الشعب الفلسطيني والأردن يقفان اليوم في وجه العاصفة القادمة التي تحضر لها إدارة ترامب المتصهينة، وتبدو الاستحقاقات، بل الإملاءات، المطلوبة منهما كبيرة، وواهمٌ من يعتقد أن بالإمكان قبولها وهضمها رغم ضعف القدرات وهشاشة الإمكانات وحسابات الواقع المحسوس، حيث أن كل قوى الأرض وموازين القوى لن تكون قادرة على فرض القبول بالاستسلام والتفريط بالحقوق والخروج من التاريخ لصالح الاستعمار الصهيوني حتى لو كسب هذا الاستعمار اليوم الجولة وبسط احتلاله على كامل فلسطين.


قد تغُرُّ اللحظة نتنياهو ويمينه الصهيوني الغارق بدماء الشعب الفلسطيني ليعتقد أن صفقة القرن «فرصة لن تعود» بالنسبة لكيانه السرطاني، «ولا يجوز تفويتها لأن لدينا اليوم بالبيت الأبيض صديقا لإسرائيل أكبر من أي وقت مضى» كما أعلن عشية سفره لواشنطن، لكنه ينسى أن غيره من طغاة ومحتلين سبق وأن غرّتهم قوتهم وضعف أعدائهم فأعلنوا واهمين منتشين انتهاء التاريخ عندهم قبل أن يرتد هذا التاريخ وإرادة الشعوب على رؤوسهم ورؤوس إمبراطورياتهم وأطماعهم العابرة.


ليس تحليلاً إنشائيا ولا عاطفياً القول بأن ترامب ونتنياهو وصفقتهما التصفوية اليوم سيؤسّسون لانهيارات المشروع الصهيوني على المدى المتوسط إن لم يكن القصير، فبعيدا عن عامل صمود الشعب الفلسطيني وعدم قدرة أحد على التوقيع على استسلامه ووجود طاقات مقاومة كامنة لديه لا تنضب، فإن ما يسعى إليه ترامب والكيان الصهيوني من تضخيم لقوة هذا الكيان وتمدّده وتوسيع مجاله الحيوي ستكون له أبعاد وتداعيات جيوسياسية وإستراتيجية كبيرة ومتصاعدة، ستفرض على القوى الإقليمية المركزية من إيران وتركيا.. ولاحقا مصر ضمن اشتراطات عديدة، وأيضاً سورية والعراق اللتين ستخرجان بعد سنوات أو عقد من أزمتيهما بلا شك، في صراع نفوذ ومشاريع مع المشروع الصهيوني الذي لا تقف أطماعه عند حدود.


قد يبدو الرهان اليوم مستحيلاً، على الأقل في المدى المنظور، على استعادة الأمة العربية وحدتها للوقوف بوجه هذا الخطر الصهيوني الذي يستعد لتدشين مرحلة توسع جديدة وإستراتيجية من عمر كيانه، لكن الأمل بهذه الأمة سيبقى ثابتاً مهما طالت الكبوة. والتحدي الذي سيخلقه تضخم قوة الكيان الصهيوني وامتداد نفوذه وشراهته لن يكون محركا فقط لصراعات ندّية مع المشاريع الإقليمية غير العربية، بل أيضا يتوقع له أن يكون دافعاً ومحركاً لتبحث الأمة العربية عن نفسها وعن كينونتها وعن دورها قبل أن تخرج من التاريخ.

عن"الغد" الأردنية