سكان مخيم "نهر البارد" في غزة يعانون الفقر المدقع

غزة- "القدس" دوت كوم- (شينخوا) يراقب الطفل الفلسطيني حمزة فروانة شاحنة كبيرة بينما كانت تفرغ حمولتها من القمامة في مكب للنفايات في خانيونس جنوب قطاع غزة، وما أن انتهت وتحركت بعيداً، حتى سارع هو وأصدقاؤه في الحي نحوها للنبش بها.

ويقضي فروانة البالغ من العمر (12 عاما) ساعات طويلة بين أكوام القمامة ينبشها لعله يجد فيها ما يصلح للطعام أو أشياء أخرى تصلح للبيع مثل الحديد أو الألومونيوم أو البلاستيك، على حد قوله.

ويعيش هذا الطفل في مخيم "نهر البارد" غربي جنوب خانيونس، والذي يعتبر من أكثر المناطق في القطاع فقرا وتهميشا، حيث لا تصلح الظروف المعيشية في تلك المنطقة للحياة الآدمية، على حد وصف سكان المخيم.

وتسكن أكثر من 100 عائلة في منازل جميعها مكونة من ألواح الصفيح (الزينجو)، كانت قد بنتها في مساحة حوالي 50 دونما، دون توفر بنية تحتية لتلك المنازل، فيما تفصل المياه العادمة ما بين تلك البيوت العشوائية.

ويقول فروانة بينما كان ممسكا كيس دقيق فارغاً: "ننتظر شاحنات القمامة كي نستطيع أن نبحث عن الطعام بين تلك الأكوام، أو نجمع الأدوات المعدنية لنبيعها مقابل عشرة شواكل لأطعم أشقائي".

ويعيش فروانة مع عائلته المكونة من عشرة أفراد في غرفة واحدة من الصفيح لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء القارص منذ حوالي عشر سنوات بعد أن أحضرهم والدهم إلى هذا المخيم نتيجة طردهم من البيت المستأجر لتراكم الإيجار على والده.

ويضيف "في المنخفض الحالي، لم نستطع النوم إلا قليلا، لأنني انشغلت مع والدي ووالدتي في مراقبة مياه الأمطار، ونقل أخوتي الصغار من منطقة إلى أخرى بدلا من غرقهم في المياه".

ويأمل فروانة أن يعيش في أوضاع حياتية مناسبة له ولإخوته، وأن يتمكن من مواصلة تعليمه أسوة بالأطفال الآخرين الذي يعيشون في مناطق ليست بعيدة كثيرا عن مخيمهم الأكثر تهميشا في القطاع.

ومع ذلك، يتجمع الأطفال الذين يعيشون في المخيم حول امرأة في الأربعينات في عمرها، نجحت في أن تضبط ترددات قنوات تلفازها القديم لتظهر صورة مرئية لفيلم هندي، لتعلو صرخات الأطفال فرحا لتمكنهم أخيراً من مشاهدة فيلم.

وفي بيت ليس بعيداً عن أصوات الأطفال التي تضج في المكان، انشغلت لينا البرقون (22 عاما) في طهي الطعام لطفليها على نار كانت قد أوقدتها من الحطب والكرتون، فيما يعج الهواء بالدخان الأسود المتصاعد من النار.

وتقول لينا، وهي امرأة حامل في شهرها الثامن، إن زوجها كان "أول من سكن هذا المخيم بعد هربه من عائلته التي كانت تعاني الفقر المدقع حين كان عمره 10 سنوات، وتمكن من بناء عش صغير له واستقر فيه".

وتضيف بينما كانت تمسك ملعقة كبيرة من الخشب وتحرك الأرز في القدر الذي تطهو فيه "بعد ذلك أصبحت العائلات الفقيرة تأتي بالتدريج إلى هذه المنطقة للعيش فيها، حتى أصبحوا حوالي 100 عائلة".

وأطلقت العائلات اسم "نهر البارد على مخيمهم، الذي يحده من الجنوب مكب نفايات ضخم، ومن الشرق مقبرة ومن الشمال مذبحا، تيمنا بمخيم اللاجئين الأشد قساوة في لبنان، في محاولة منهم للفت أنظار المسؤولين والمؤسسات المعنية بهذه القضايا".

وتصف لينا أوضاعهم المعيشية "بالمأساوية وغير الآدمية"، وتقول "أطفالي الصغار، أحدهما يعاني من الربو المزمن، فيما يعاني طفلها الآخر من ضمور في نمو إحدى قدميه نتيجة للدغه من أحد العقارب السامة".

وتتابع لينا باكية "نعيش أنا وزوجي وأطفالي بين الحشرات الضارة والعقارب والثعابين في الصيف والفئران"، مشيرة إلى أنها غالبا لا تجد ثمن الدواء لأطفالها المرضى مثلما لا تجد الطعام لهم غالب الأوقات.

وتأمل أن تتمكن من الانتقال مع عائلتها إلى بيت صالح للسكن، وأن تتمكن المؤسسات الداعمة المعنية بالنظر إليهم ومساعدتهم كي يتخلصوا من "هذه الحياة المهينة غير الآدمية"، على حد تعبيرها.

أما محمد ابو نمر (34 عاما) وهو أب لخمسة أطفال، أحدهم يعاني من ضمور في المخ، فانشغل في إشعال النيران من الكرتون والبلاستيك وبعض الأخشاب لزوجته، كي تطهو لأطفالها الذين تجمعوا حولها.

ويقول ابو نمر ل(شينخوا) "نحن لا نريد شيئا هنا، سوى أن نرحل إلى حياة أفضل، وأن نحمي أطفالنا من الموت جوعا بسبب الفقر المدقع".

وناشد جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية تبني قضيتهم وحماية أطفالهم من الضياع.

وذكر مركز الإحصاء الفلسطيني أن قرابة 65 في المائة من سكان قطاع غزة البالغ عددهم زهاء مليوني نسمة، يعيشون تحت خط الفقر، وهذه النسبة من النسب المرتفعة عالميا.

وبحسب اللجنة الشعبية الفلسطينية لمواجهة الحصار على غزة، فإن معدل دخل الفرد اليومي من سكان القطاع لا يتجاوز دولارين، وهو ما يعد الأسوأ عالمياً.

وحذرت الأمم المتحدة مرارا من التدهور الحاد في قطاع غزة، من بينها تقرير شهير نشر في أغسطس من عام 2012 بأن قطاع غزة لن يكون منطقة صالحة للعيش حال استمرار الحصار الإسرائيلي.

ويشدد مسؤولون فلسطينيون على ضرورة إدخال تسهيلات شاملة تقوم بشكل رئيسي على التنمية الاقتصادية لضمان إحداث تحسين جدي على حياة السكان في القطاع.

وتفرض إسرائيل حصارا مشددا على قطاع غزة منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عليه بالقوة، عقب جولات اقتتال داخلي مع الأجهزة الأمنية الموالية للسلطة الفلسطينية في عام 2007.