ما بين قصور بلدية الإحتلال ونشر الإشاعات مات الطفل قيس ابو رميلة

بقلم : راسم عبيدات

لا شك بأن ما حدث هو كارثة وفاجعة بكل المقاييس،لحقت باهل الطفل قيس أبو رميلة وبكل أبناء مدينة القدس، والذين عبروا عن حالة تضامنية ووحدية غير مسبوقة سواء في البحث عن الطفل أو المشاركة في تشييع جثمانه، والتي كانت جنازته من الجنازات الكبرى التي لم تشهدها المدينة سوى في تشييع جثامين الشهداء وكذلك أمهم لبيت العزاء...ورغم كل هذه الحالة التضامنية والمشاركة الواسعة والفعالة من الجماهير المقدسية وكل مكونات المجتمع المقدسي إلا ان هذه الجماهير التي تصرفت بعواطفها وحسها الوطني وإنتمائها وغيرتها على قدسها وعلى مصير الطفل،والذي كان هاجسها الأول والأخير بأن لا يكون مصيره كمصير الطفل الشهيد الفتى ابو خضير،الذي جرى خطفه وحرقه حياً على يد مجموعة من المستوطنين المتطرفين في تموز من عام/2017، تلك الهواجس والشكوك عززتها،نشر لفيديو مضلل يعزز مثل هذه الشكوك،والذي اتضح بانه لا يمت لعملية الخطف بصلة،ولذلك نشر هذا الفيديو بالإضافة الى نشر الكثير من الإشاعات والتي انتشت كإنتشار النار في الهشيم، دفع نحو تشتيت الجهد وخسارة الوقت في التوجه صوب فرضية ان يكون الطفل قد غرق في التجمعات المائية او مجمع المياه العادمة القريب من بيته، في ظروف جوية ماطرة جداً وباردة واجواء ضبابية، ولذلك علينا اولاً ان ندقق فيما يتم نشره ومدى دقته وعلاقته بالحدث على وسائل التواصل الإجتماعي،والتي في العديد من الأحيان،أن لم يكن اغلبها، تكون عملية نشر الأخبار و"البوستات" و"الفيديوهات" و"اليوتيوبات" عليها،ليس فيها قدر كبير من الصحة والدقة والمسؤولية ومبتورة وسطحية، وتعتمد على النقل عن فلان او علان ولا تستند الى معلومات موثقة ....ولذلك ناشروا الإشاعات والأخبار المضللة وغير الدقيقة،نرى بانها تتحمل قسطاً من المسؤولية عن وفاة الطفل قيس أبو رميلة،لأن نشر الإشاعات يخلق البلبلة بين الجماهير ويكون رأي عام يتجند لخدمة أغراض واهداف لا تخدم القضية التي يجري تجنيد الرأي العام بشانها، وربما تدفع الأمور نحو التأزم والإحتراب الداخلي،سواء كان عائلياً او عشائرياً او حتى حزبياً ووطنياً، وقد يكون الكثير ممن نشروا نواياهم طيبة وصادقة،ولكن غياب المعلومة الصحيحة والدقيقة، في النتيجة لم تخدم الهدف.

صحيح أنه في مثل هذه الحالة يصعب السيطرة على الجماهير الثائرة والغاضبة او الراغبة في مد يد العون والمساعدة، ولكن هذا يستدعي ان لا نبقى في عملنا رهن ردات الفعل وفورة العواطف والمشاعر،ومن الضروري في مثل هذه الأحداث،أن لا تغيب العناصر الفعالة والمؤثرة والتي تمتلك القدرة على القيادة والتوجيه ، وان لا تترك الأمور للإجتهادات والأهواء،وتعدد مصادر القرار وتضاربها وتعارضها مع بعضها البعض، والجماهير الثائرة او الهائجة بحاجة الى من يوجه ويقود بقدر ما يسمح به الظرف او طبيعة الحدث...والقضية الأخرى والتي نرى بأن من يتحمل مسؤولية كبيرة في وفاة الطفل قيس ابو ارميلة،هو بلدية الإحتلال،بلدية " القدس، التي تتبجح دائماً بانها تقدم خدماتها على قدم المساواة لسكان المدينة بغض النظر عن قوميتهم وهويتهم، ونحن ندرك تماماً بانها لا تقول الحقيقة، فمجموع ما يدفعه المقدسيون من ضرائب قسرية لبلدية الإحتلال يصل الى 28 - 30 % من الضرائب التي تجمع من سكان القدس، وفي المقدمة منها ضريبة " الأرنونا" المسقفات، ولكن ما يصرف من اموال على الخدمات شوارع،جدار استنادية،بناء جسور،أرصفة، وخطوط مشاة واعمدة انارة وملاعب ومتنزهات وحدائق عامة وبنى تحتية وصرف صحي ومراكز امومة وطفولة وغيرها في القسم الشرقي من المدينة لا يتجاوز 6 - 8 %،وهذا يعني بأن هناك فجوة واسعة وتمييز بين ما يقدم من خدمات لسكان المدينة اليهود وسكانها العرب الواقعين تحت الإحتلال على الخلفية القومية، ولذلك هذه الحفرة الكبيرة التي تتجمع فيها المياه العادمة،والموجودة في قلب حي سكني وتجاري، وبدون اشارات ارشادية وتحذيرية،أو غير مسيجة ومغلقة، بما يمنع الوصول إليها،لو كانت موجودة في القسم الغربي من المدينة، وحدث فيها هذا الحادث الفاجع،لقامت الدنيا ولم تقعد، ولربما جرى اقالة رئيس البلدية والجهة المسؤولة عن هذا الملف،ولذلك بلدية الإحتلال،تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن التسبب بوفاة هذا الطفل،وكذلك اتفاقية جنيف الرابعة عام /1949 لحماية السكان المدنيين الواقعين تحت الإحتلال، تلزم الدولة المحتلة بتوفير الخدمات للسكان ...اما فيما يتعلق بدور شرطة الإحتلال والدفاع المدني الإسرائيلي، وتحركاتهم البطيئة، والتي جاءت متأخرة ولم تبذل الجهود الجدية والحقيقية في عمليات البحث عن مصير هذا الطفل، وتحركت بشكل جدي وحقيقي فقط تحت ضغط الجماهير المقدسية الثائرة التي إتجهت صوب المستوطنات القريبة، معتقدة ومتوجسة بان هناك عملية خطف قد حصلت بحق الطفل قيس أبو رميلة، وعزز هذه الشكوك والفرضية عملية الحرق التي نفذت بحق مسجد "البدرية" في قرية شرفات المقدسية ، ولذلك هي الأخرى مسؤولة بقدر معين عن ما آل إليه مصير الطفل ابو رميلة ....

نعم هي كارثة بإمتياز وفاجعة لأهل الطفل الشهيد،ولكل ابناء القدس،ولكن أثبتت تلك الكارثة والفاجعة بان الحلقة المقدسية صلبة وقوية ومتماسكة، وفي الشدائد اهلها وشبابها،اهل نخوة وعزة وكرامة..وهذه الجموع التي هبت للبحث عن مصير هذا الطفل، كانت في كل المعارك تهب لكي تدافع عن مقدساتها ووجودها ...ولذلك هذا المجتمع المقدسي الوفي والمنتمي بحاجة الى من يصدق معه ويرعاه ويقوده رافعاً راية القدس والوطن فوق أي رايات أخرى، بعيداً عن أية اجندات وحسابات فئوية ضيقة ، ولا نظن ولا نشك للحظة واحدة، بان هذه الجماهير التي اجبرت قادة الإحتلال على إزالة البوابات الألكترونية عن بوابات المسجد الأقصى في تموز /2017،والتي هبت لكي تمنع تنفيذ مشروع الإحتلال للتقسيم المكاني بحق القسم الشرقي من المسجد الأقصى، والمقصود هنا مصلى باب الرحمة،والذي يسعى الإحتلال الى إعادة إغلاقه ومنع إستخدامه كمصلى،والتي حملت الشيخ عكرمة صبري على أكتافها،وادخلته يوم اول أمس الجمعة الى المسجد الأقصى كاسرة قرار إبعاده عن المسجد الأقصى،ستكون غير وفية او مخلصة أو غير منتمية لقدسها ومقدساتها وأقصاها وقيامتها وفلسطينها.

حادثة إستشهاد الطفل قيس أبو رميلة،يجب علينا رغم كل الحالة التضامنية والتكاتفية،ان نستخلص منها الكثير من الدروس والعبر،وبلدية الإحتلال يجب ملاحقتها في المحاكم،لأنها مسؤولة بشكل مباشر عما آل إليه وضع الطفل قيس أبو رميلة.